أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٩٠ - كلام في التشريع
كلام في التشريع:
ثمّ إنّه لمّا انتهى الكلام إلى هنا ينبغي البحث عن حقيقة التشريع و أنّه هل هو عبارة عن الالتزام القلبي أو مجرّد الإسناد إلى اللَّه تعالى مطلقاً؟ فنقول هنا امور ثلاثة لا بدّ من البحث فيها:
الأوّل: في حقيقة التشريع.
الثاني: في الدليل على حرمته ..
الثالث: في أنّ المحرّم هل هو خصوص التديّن و التعبّد، أو يسري القبح إلى الفعل المتشرّع به أيضاً فيصير الفعل الخارجي قبيحاً عقلًا و حراماً شرعاً؟
أمّا الأمر الأوّل: فنقول: إنّ حقيقة التشريع و معناه ادخال ما ليس من الدين في الدين بحسب الاعتقاد القلبي و هو غير الإسناد إلى اللَّه تعالى، و النسبة بينهما هي العموم المطلق، فالمعروف بين العلماء أنّ حقيقة التشريع تصدّق في الوحدة أيضاً بمجرّد بناء القلب من دون الإظهار و الإسناد، كما إذا صام يوم عيد الفطر بنيّة استحبابه من قبل اللَّه تعالى من دون أن يسندها في محضر غيره إلى اللَّه فيتحقّق حينئذٍ التشريع من دون تحقّق الإسناد الذي هو نوع من الإخبار.
ثمّ إنّه هل التشريع يصدق في صورة الشكّ أيضاً؟ فإذا شككنا مثلًا في وجوب سجدتي السهو، فهل يصدق التشريع إذا أتى بهما بنيّة الوجوب أو لا يصدق، بل الصادق حينئذٍ مجرّد التجرّي؟
الصحيح عندنا هو الثاني، لأنّ المسلّم من حرمة التشريع هو إدخال ما ليس من الدين في الدين اعتقاداً، و إن كان المعروف عند العلماء أنّ التديّن و الاعتقاد بالمشكوك فيه أيضاً تشريع محرّم.
و كيف كان، فالمعروف أنّ التشريع عبارة عن الالتزام القلبي كالالتزام قلباً بأنّ هذا واجب أو حرام و لذا يقال: لا يجوز إتيان الذكر الفلان بقصد الورود، أو يقال: يجوز إتيان الذكر الفلان بقصد الرجاء.
لكن قد أورد بعض الأعاظم على هذا إشكالًا حاصله: «أنّ الالتزام الجزمي بما شكّ كونه من المولى أمر ممتنع، و كيف يمكن التعبّد الحقيقي بما لا يعلم أنّه عبادي، فإنّ الالتزامات