أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٩٤ - الدليل الأول الكتاب
تَهْوَى الأَنْفُسُ وَ لَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى» [١] من أنّ هذه الأسماء أسماء لا مسمّى لها، و لا تتعدّى عن حدّ التسمية و لا واقعة لها و هي ممّا لا يتفوّه بها من له علم و عقل بل هو أمر ناشٍ عن الوهم و الخرافة و ما تهوى الأنفس.
فالمراد بالظنّ في الآية هو هذا المعنى الذي ليس له مبنى و لا أساس كسائر الخرافات الموجودة بين الجهّال، و حينئذٍ تكون أجنبيّة عمّا نحن فيه و هو الظنّ الذي يكون أمراً معقولًا و موجّهاً و مطابقاً للواقع غالباً و الذي يكون مبنى حركة العقلاء في أعمالهم اليوميّة كباب شهادة الشهود في باب القضاء و باب أهل الخبرة و باب ظواهر الألفاظ و نحوها ممّا يوجب إسقاط العمل به من حياة الإنسان و لزوم العمل باليقين القطعي فقط اختلال النظام و الهرج و المرج.
و أمّا الآية الثانية: فالآيات السابقة عليها: «قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ...» تشهد بأنّ الظنّ الوارد فيها إشارة إلى الذين يعدّونهم بأوهامهم شركاء للَّه تعالى كما يشهد بهذا قوله تعالى في نفس السورة: «أَلَا إِنَّ للَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ مَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلّا يَخْرُصُونَ» [٢]، فقد جعل الظنّ في هذه الآية في عداد الخرص في أمر الشركاء، فالممنوع الظنّ الذي يعادل ما تهوى الأنفس و الخرص.
هذا كلّه بالإضافة إلى ما استعمل فيه كلمة الظنّ.
أمّا قوله تعالى: «وَ لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» الذي نهى فيه عن اتّباع غير العلم، فإنّه و إن لم يأت فيه ما بيّناه بالنسبة إلى الآيتين السابقتين لكن يأتي فيه ما ذكر في الجواب الأوّل، و هو القول بالتخصيص، لأنّ لسان هذه الآية ليس آبياً عن التخصيص كما لا يخفى على المتأمّل فيها.
[١] سورة النجم: الآية ٢٣.
[٢] سورة يونس: الآية ٦٦.