أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٩٣ - الدليل الأول الكتاب
التي ليست قابلة للجعل فلا يمكن أن يقال: جعلت هذا حجراً أو شجراً، و أمّا البناء فلأنّه لو سلّمنا إمكان ذلك فإنّه لا يتمّ بالنسبة إلى أدلّة حجّية خبر الواحد، لأنّ لسانها ليس لسان جعل صفة العلم كما لا يخفى على من تأمّل فيها.
الوجه الرابع: ما نقله الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان عن الجصّاص و حاصله: أنّ لسان أدلّة حجّية خبر الواحد لسان الدليل الوارد فيرفع بها موضوع النهي الوارد في الآيات الناهية (و هو الظنّ) حقيقة.
و الجواب عن هذا الوجه واضح، لأنّ قطعيّة أدلّة حجّية الخبر شيء و قطعيّة نفس الخبر شيء آخر، و الثابت هو الأوّل لا الثاني، فكأنّه وقع الخلط بين الأمرين.
فظهر إلى هنا أنّه لا تحلّ المشكلة بهذه الوجوه الأربعة.
و الإنصاف في حلّها أن نلاحظ الآيات السابقة على هذه الآيات و اللاحقة لها فإنّها تدلّ على أنّ الظنّ المستعمل في هذه الآيات ليس بمعناه المصطلح عند الفقهاء و الاصوليين، و هو الاعتقاد الراجح بل المراد منه معناه اللغوي الذي يعمّ الوهم و الاحتمال الضعيف أيضاً.
ففي مقاييس اللغة: «الظنّ يدلّ على معنيين مختلفين: يقين و شكّ» و استشهد لمعنى اليقين بقوله تعالى: «الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ» حيث إن معنى «يظنّون» فيه «يوقنون» و قال بالنسبة إلى معنى الشكّ ما إليك نصّه: «و الأصل الآخر: الشكّ، يقال ظننت الشيء إذا لم تتيقّنه».
و في مفردات اللغة: «الظنّ اسم لما يحصل عن أمارة و متى قويت أدّت إلى العلم و متى ضعفت جدّاً لم يتجاوز حدّ التوهّم».
و بالجملة أنّ الظنّ الوارد في هذه الآيات إنّما هو بمعنى الوهم الذي لا أساس له و لا اعتبار به عند العقلاء.
أمّا الآية الاولى: فلأنّ الوارد قبلها هو: «إنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة يسمّون الملائكة تسمية الانثى» فالتعبير ب «تسمية الانثى» إشارة إلى ما جاء في بعض الآيات السابقة: «إِنْ هِيَ إِلّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلّا الظَّنَّ وَ مَا