أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٩٢ - الدليل الأول الكتاب
يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً» [١] و قوله تعالى: «وَ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً» [٢] و قوله تعالى: «وَ لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» [٣].
و اجيب عنه بوجوه عديدة:
الوجه الأوّل: أنّ مدلول هذه الآيات عام، و ما من عام إلّا و قد خصّ، فتخصّص بأدلّة حجّية خبر الواحد.
و لكن هذا الجواب غير تامّ لأنّ لسان الآيات آبية عن التخصيص فإنّ قوله تعالى: «إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً» مثلًا بمنزلة قولك: «إنّ زيداً ممّن لا اعتبار له و لا يمكن الوثوق به أصلًا» الذي لا يناسب تخصيصك إيّاه بقولك مثلًا: «إلّا بالنسبة إلى هذه المسألة و هذه المسألة، فيمكن الاعتماد عليه فيها» كما لا يخفى.
الوجه الثاني: أنّ مورد هذه الآيات هو اصول الدين و لا ربط لها بالفروع.
و فيه: أنّه تامّ بالإضافة إلى بعضها كقوله تعالى: «وَ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً» فإنّه لا إشكال في أنّه بقرينة الآية السابقة وردت في مسألة الشرك و هي من الاصول، لكن بالنسبة إلى بعضها الآخر ليس بتامّ كقوله تعالى: «وَ لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا» فلا ريب في أنّه مطلق يشمل الفروع أيضاً لأنّ السمع و البصر مربوطتان بفروع الدين كما يستفاد هذا من استشهاد المعصوم ٧ بهذه الآية في جواب من سأل عن حكم الغناء الذي يسمعه من دار جاره.
الوجه الثالث: ما أجاب به المحقّق النائيني (رحمه الله) عن هذه الآيات وفقاً لمبناه في باب الأمارات فإنّه قال: «نسبة تلك الأدلّة إلى الآيات ليست نسبة التخصيص بل نسبة الحكومة فإنّ تلك الأدلّة تقتضي إلغاء احتمال الخلاف و جعل الخبر محرزاً للواقع فيكون حاله حال العلم في عالم التشريع» [٤].
أقول: قد مرّ عدم تماميّة هذا مبنى و بناءً، أمّا المبنى فلأنّ صفة العلم من الصفات التكوينيّة
[١] سورة يونس: الآية ٣٦.
[٢] سورة النجم: الآية ٢٨.
[٣] سورة الإسراء: الآية ٣٦.
[٤] فوائد الاصول: ج ٣، ص ١٦١.