أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٢٩ - التنبيه الرابع في الانقياد
و ثانياً: إنّا ننكر أصل حرمة التجرّي، لما مرّ من عدم صلوح الوجوه المذكورة لإثبات الحرمة، فلا تصل النوبة إلى ملاحظة الكسر و الانكسار بين قبحه و حسن ما طرأ عليه.
و ثالثاً: أنّ قبح المتجرّي نشأ من القطع بالحرمة فلا يعقل أن يرتفع ما دامت صفة القطع موجودة قائمة بالقاطع بجهة من الجهات المجهولة المغفولة له، و بعبارة اخرى: أنّ الحسن و القبح تابعان لما علم من الجهات، لا لأقوى الجهات الواقعيّة التي يكون مغفول عنه للمتجرّي.
إن قلت: فبما تحكم في قضية ترك قتل ابن المولى مع علمه بأنّه عدوّ للمولى فهل يرضى أحد فيه باستحقاق العبد للمؤاخذة؟
قلت: إنّ المولى الحكيم العادل يحكم بالقبح و العقاب في هذا المورد أيضاً لأنّه يعاقب عبده على جرأته و خروجه عن رسم العبوديّة، و هذا باقٍ و لم يتبدّل إلى غيره حتّى بعد انكشاف الواقع، نعم قد لا يعاقبه و يعفو عنه شكراً لسلامة ابنه و خروجه عن خطر القتل لا من باب عدم صدق عنوان المتجرّي عليه كما يشاهد كثيراً ما نظيره بين العرف و العقلاء في المعاصي الواقعيّة أيضاً فيتركون عقاب العبيد شكراً للنعم المقارنة للمعصية.
التنبيه الرابع: في الانقياد
قد يقال: يترتّب الثواب على الانقياد لنفس ما استدلّ به على ترتّب العقاب على التجرّي، و هو شهادة الوجدان و دلالة بعض الأخبار، ثمّ يستنتج و يقال: حسن الانقياد يلازم قبح التجرّي و لا يجوز التفكيك بينهما.
لكن يناقش فيه بأنّ حسن الانقياد و ترتّب الثواب عليه معلول لانطباق عنوان تعظيم المولى عليه لأنّ مفهوم الانقياد إنّما يصدق فيما إذا أتى بالعمل بقصد أمر المولى و التقرّب إليه و إتيان الفعل، فهذا القصد لا ينفكّ عن انطباق عنوان التعظيم في جميع الموارد فيترتّب الثواب أيضاً في جميع الموارد، و هذا بخلاف عنوان التجرّي، فإنّه ليس معناه الإتيان بما يراه معصية بقصد مخالفة المولى و العناد له، فإنّ هذا لا يعتبر في حقيقة التجرّي بل هو عنوان ثانوي ربّما يوجب الكفر فضلًا عن الفسق، بل المتجرّي إنّما يأتي بما يأتي من فعله لشهواته و مقاصده الحيوانية كما ورد في دعائه ٧: «و لكن خطيئة عرضت لي و سوّلت لي نفسي و غلبني هواي» إلى آخر ما مرّ ذكره.