أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٨ - المسألة السابعة هل القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة، هو حجّة؟
ثالثها: أنّه لا ريب في أنّ الملاك ربّما يكون في بعض الأفراد دون بعض، و مع ذلك يجعل الحكم على كلّي يشملهما، و هذا كما في باب العدّة، فإنّ مصلحة حفظ الأنساب و عدم اختلاط المياه اقتضت تشريع حكم العدّة مطلقاً حتّى فيما لا يلزم فيه من عدم العدّة اختلاط المياه فقد تخلّف الحكم في تلك الموارد عن الملاك.
و جوابه: أنّ المصلحة على قسمين: مصلحة نفس الحكم التي يمكن أن يكون نوعيّة غالبية و لا تكون موجودة في جميع الأفراد و المصاديق، و مصلحة كلّية الحكم، فيمكن أن لا يوجد في فرد مصلحة نفس الحكم، و في نفس الحال لا يستثنى و لا يخصّص ذلك الفرد لوجود المصلحة الثانية، أي مصلحة كلّية الحكم فيه، و ذلك مثل حرمة الخمر الجارية في جميع مصاديقها مع أنّ مفسدتها و هي السكر لا يوجد في قطرة واحدة منها مثلًا، و مع ذلك يكون شربها حراماً حفظاً لكلّية الحكم، و أين ذلك من الالتزام بعدم تبعية الحكم للملاك كما هو المدّعى؟
رابعها: أنّه لا ريب في أنّ الملاك و المصلحة في العبادات إنّما يترتّب على إتيانها بقصد قربى لا على مجرّد وجوداتها في الخارج، و من المعلوم أنّ الأوامر فيها لا تتعلّق إلّا بأنفسها لما ذكر في محلّه من عدم جواز قصد القربة في متعلّق الأمر، فما فيه الملاك يستحيل تعلّق الأمر به، و ما تعلّق به الأمر لا يكون واجداً للملاك على الفرض.
و جوابه: أنّه قد مرّ في محلّه إمكان أخذ قصد القربة في المأمور به بلا إشكال فراجع.
خامسها: أنّه ثبت لنا في الشريعة موارد لم يحكم الشارع فيها على طبق الملاكات الموجودة فيها كما هو مقتضى قوله ٦ «لو لا أن أشقّ على امّتي لأمرتهم بالسواك» بل أمرنا بالسكوت فيما سكت اللَّه عنه في قوله ٦ «اسكتوا عمّا سكت اللَّه عنه فإنّ اللَّه لم يسكت عنها نسياناً الخ» فإذا أمكن تخلّف الحكم الشرعي عن الملاك و لو في مورد واحد فبمجرّد إدراك العقل لحسن شيء أو قبحه لا يمكن استكشاف الحكم الشرعي في ذلك المورد بل لا بدّ من السكوت فيه.
و جوابه واضح: لأنّ المقصود في هاتين الروايتين أنّ عدم الحكم الشرعي مع وجود الملاك يكون لوجود مصلحة أهمّ التي تمنع عن الحكم، و إن شئت قلت: إنّ مصلحة الحكم هنا معارضة مع مفسدة العسر و الحرج و أشباهه، و بعبارة اخرى: أنّ محلّ الكلام إنّما هو في مورد لا يتطرّق فيه احتمال المزاحم مثل المشقّة و نحوها، إذ معه لا يمكن استقلال العقل حتّى يستكشف منه الحكم الشرعي.