أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٢ - المسألة الخامسة في وجوب الموافقة الالتزاميّة في الأحكام الفرعيّة و عدمه
الحقيقي نفس العلم لزم أن يكونوا مؤمنين به و أن يكون الشيطان أو فرعون مثلًا أظهر مصاديق المؤمن من أنّ كفرهم ممّا لا ينكره أحد، و من هنا يكون المراد من الجحود في قوله تعالى: «وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ» الجحد القلبي لا أنّهم جحدوا لفظاً و عملًا.
و العجب من تهذيب الاصول حيث إنّه مع ما ذهب إليه من عدم كون الالتزام القلبي اختياريّاً صرّح في ذيل كلامه بانفكاك العلم عن الإيمان و قال: «إنّ الإيمان ليس مطلق العلم الذي يناله العقل و يعدّ حظّاً فريداً له» و لم يبيّن أنّه كيف لا يلزم من عدم كون العلم عين الإيمان كون الالتزام و الانقياد اختياريّاً بل قال: «و بما أنّ المقام لا يسع طرح تلك الأبحاث فليراجع من أراد التفصيل إلى محالّه» [١].
و كيف كان، فإنّ عدم كون الإيمان و الالتزام القلبي اختياريّاً ينافي ظاهر كثير من الرّوايات و الآيات كالتي تأمر بالإيمان و تعلّق الأمر فيها بالتسليم القلبي كقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ» و لو لم يكن الإيمان و التسليم أمراً اختياريّاً يكون هذا القبيل من الأوامر تكليفاً بما لا يطاق، و القول بأنّها محمولة على تحصيل مبادئه و أسبابه تكلّف لا وجه له.
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ محلّ البحث أنّه إذا علمنا بوجود شيء فهل يتصوّر فعل قلبي وراء العلم أو لا؟ فإن قبلنا وجود ذلك الفعل فيعقل و يتصوّر البحث عن وجوب الالتزام القلبي و عدمه و إلّا فلا، و قلنا أنّ الوجدان حاكم على وجود أمر آخر قلبي يسمّى بالالتزام و التسليم القلبي و هو المستفاد من ظاهر الآيات و الرّوايات، و من هنا يعلم أنّ حقيقة التشريع هي الالتزام القلبي على كون حكم من الشارع مع العلم بأنّه لم يكن من الشرع أو مع عدم العلم بكونه منه.
هذا كلّه في إمكان تعلّق الوجوب على الالتزام و عدمه.
المقام الثاني: في أنّه بعد قبول إمكان تعلّق الوجوب ثبوتاً فهل يكون واجباً إثباتاً أو لا؟
فنقول: لا دليل لنا على وجوب الالتزام في الأحكام الشرعيّة الفرعيّة تفصيلًا لا عقلًا و لا نقلًا و إن كان واجباً في الاصول الاعتقاديّة.
أمّا عقلًا فلأنّ العقل و العقلاء لا يحكمون باستحقاق العبد للعقوبة على ترك الالتزام القلبي
[١] تهذيب الاصول: ج ٢ ص ٤٩، طبع جماعة المدرّسين.