أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٣ - المسألة الخامسة في وجوب الموافقة الالتزاميّة في الأحكام الفرعيّة و عدمه
في الأحكام الفرعيّة، و لا يحكمون فيما إذا أتى العبد بالعمل و لم يلتزم قلباً لا بوجوبه و لا بحرمته بأنّه هاتك للمولى.
و أمّا نقلًا فلعدم وجود رواية تدلّ على وجوب الموافقة الالتزاميّة، و مع عدمه و الشكّ في الوجوب تصل النوبة إلى البراءة، نعم مقتضى أدلّة الإيمان بالنبوّة هو الإيمان بالأحكام الفرعيّة التي جاء بها النبي إجمالًا، و هذا غير وجوب الالتزام القلبي بها تفصيلًا، و خارج عن محلّ الكلام، و مما يؤيّد هذا المعنى غفلة عامّة الناس عن هذا الالتزام التفصيلي، و لو كان واجباً لكان على الشارع البيان.
المقام الثالث في ثمرة المسألة: و ليعلم أنّ المسألة ليست لها ثمرة في الاصول، و إن كان قد يمنع ذلك من إجراء الاصول في أطراف العلم الإجمالي على بعض الاحتمالات، بل تظهر ثمرتها في الفقه بلا واسطة، فإنّ تعلّق العلم بحكم تفصيلًا كالعلم بوجوب الصّلاة وجب الالتزام به قلباً إن قلنا بوجوب الموافقة الالتزاميّة و لا يجب إن قلنا بعدمه، و إن تعلّق العلم بحكم إجمالًا وجب الالتزام القلبي به كذلك إن قلنا بوجوبه كالعلم الإجمالي بوجوب صلاة الجمعة أو صلاة الظهر، و ذلك لعدم القدرة حينئذٍ على الالتزام التفصيلي، و هكذا لو تعلّق العلم بما يدور بين المحذورين، كما إذا علمنا بأنّ صلاة الجمعة إمّا حرام أو واجب، فيكون الالتزام القلبي حينئذٍ مثله.
هذا كلّه بالنسبة إلى الحكم الواقعي، و كذلك إذا كان الحكم ظاهريّاً كوجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي كمثال الواجب يوم الجمعة إذا دار أمر الوجوب بين صلاة الجمعة و صلاة الظهر، و كالحكم بالتخيير فيما إذا دار الحكم بين الوجوب و الحرمة، و بما أنّ العلم بهذا الحكم الظاهري يكون تفصيلياً يجب الالتزام به تفصيلًا، فيكون الالتزام الواجب في مثل هذه الموارد قسمان: أحدهما: تفصيلي، و هو الالتزام بالحكم الظاهري المعلوم تفصيلًا، و الآخر: إجمالي و هو الالتزام بالحكم الواقعي المعلوم إجمالًا.
و لا منافاة بينهما لعدم المنافاة بين الحكم الواقعي و الظاهري كما سيأتي في محلّه إن شاء اللَّه.
و بهذا يظهر ضعف ما قيل: بأنّ ثمرة المسألة تظهر في المسألة الاصوليّة، و هي جريان الاصول في موارد التخيير، فإذا قلنا بعدم وجوب الالتزام القلبي بالحكم الواقعي فلا مانع من جريان البراءة عن الوجوب و البراءة عن الحرمة في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة مثلًا، لأنّ جريانها إنّما يستلزم المخالفة العلميّة الالتزاميّة فقط، و المفروض عدم وجوبها، و أمّا إن قلنا