أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٠ - نقد كلام المحقّق النائيني (رحمه الله)
الواقع في جوابه كونه في مرتبة الإنشاء فقط فلا حاجة حينئذٍ إلى التمسّك بذيل باب اجتماع الأمر و النهي و تعدّد الجهتين لعدم المنافاة بين الحكم الإنشائي و الحكم الفعلي، و إن كان المراد كون الواقع فعلياً أيضاً فلا وجه لعدم كونه منجزاً لأنّ عدم التنجّز إنّما يكون لمانع عن الفعليّة كالعجز و الجهل، و المفروض عدمهما.
٥- هو ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) و حاصله: أنّ الأحكام الظاهريّة على ثلاثة أقسام:
الأمارات و الاصول التنزيلية نحو الاستصحاب، و الاصول غير التنزيلية، أمّا في الأمارات: فيرتفع الإشكال بأنّ الشارع لم يجعل فيها غير صفة المحرزيّة و الوسطية في الإثبات شيئاً فلم يجعل فيها حكماً حتّى ينافي الحكم الواقعي و ذلك لأنّ الأمارات إمضائيّة و ليست عند العقلاء أحكام تكليفية و لازمه أن لا يكون بعد إمضاء الشرع للأمارات تكليفة ظاهريّة في مواردها.
فحال الأمارات حال العلم الوجداني في أنّه ليس في موردها أحكام تكليفية.
و أمّا الاصول التنزيلية: فالمجعول فيها هو الوسطية في الإثبات من حيث الجري العملي مع أخذ الشكّ في موضوعها خلافاً للأمارات.
و أمّا الاصول غير التنزيلية: فليست ناظرة إلى الواقع أصلًا فلا يمكن أن يكون المجعول الوسطية في الإثبات بل لا بدّ فيها من الالتزام بجعل الأحكام التكليفية فيها فلتوهّم لزوم اجتماع الضدّين حينئذٍ مجال، و طريق دفعه أنّ الأحكام التكليفية فيها متأخّرة رتبة من التكاليف الواقعيّة فهي متفرّعة عليها و ليس بينهما منافاة أصلًا فلا يكون بينهما تضادّ، و هذا مراد سيّد أساتيذنا العلّامة الشيرازي (قدس سره) من عدم كون الحكم الظاهري منافياً للواقع لترتّبه عليه [١].
نقد كلام المحقّق النائيني (رحمه الله):
أقول: إنّ كلامه قابل للمناقشة بجميع أقسامه:
أمّا القسم الأوّل: فلأنّ القطع أمر تكويني غير قابل للجعل كالبرودة و الحرارة و ليس من قبيل الملكيّة و الزوجيّة و غيرهما من المجعولات الاعتباريّة، فلا يمكن للشارع أن يجعل ما
[١] راجع فوائد الاصول: ج ٣، ص ١٠٥- ١١٢، طبع جماعة المدرّسين.