أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨١ - نقد كلام المحقّق النائيني (رحمه الله)
ليس بعلم علماً، فإن كان المراد من جعل صفة المحرزيّة إلغاء احتمال الخلاف و جعل صفة العلم تكويناً فهو محال، و إن كان المراد الجري العملي على طبق مؤدّيات الأمارات كما يظهر من بعض كلماته في المقام فهذا معناه إيجاب الجري العملي على وفق الأمارة، و ليس هذا إلّا جعل وجوب العمل على مؤدّى الأمارة، و هذا حكم تكليفي ظاهري.
و أمّا ما أفاده من أنّ حجّية الأمارات ليست بشيء إلّا إمضاء لطريق العقلاء، و العقلاء ليس لهم حكم على طبق مؤدّى الأمارة بل يعدّونها فقط طريقاً إلى الواقع.
ففيه: أنّ العقلاء أيضاً إذا علموا مثلًا بأنّ هذا ليس لزيد من طريق أخبار خبر الثقة مثلًا يحكمون بأنّه لزيد، و يكون مؤدّى الأمارة عندهم حكماً من الأحكام و قانوناً من القوانين، فكيف لم يكن عندهم أحكام ظاهريّة قانونيّة؟ و عدم وجود التكاليف المولويّة بينهم ليس دليلًا على عدم وجود التكاليف القانونية.
و أمّا القسم الثاني: فلأنّ الاصول موضوعها الشكّ في الحكم الواقعي، و لا معنى لكون الشكّ طريقاً إلى الواقع، و حينئذٍ كيف يمكن جعل الشارع الوسطيّة في الإثبات و الطريقيّة إلى الواقع لما ليس طريقاً أبداً؟ و لو قلنا أنّ الاستصحاب لا يخلو من طريقيّة إلى الواقع فلازمه عدّ الاستصحاب من الأمارات لا من الاصول، و هو خلاف المفروض.
و أمّا القسم الثالث: ففيه: أنّ تأخّر الموضوع و التفرّع لا يحلّ المشكلة في المقام، لأنّه و إن كان الموضوع متعدّداً في الذهن إلّا أنّ الخارج واحد، و المفروض أنّ الصورة الذهنيّة مأخوذة في الموضوع بما هي حاكية عن الخارج، فيلزم حينئذٍ اجتماع حكمين فعليين على محلّ واحد، و يعود الإشكال.
٦- ما أفاده في تهذيب الاصول و حاصله بالنسبة إلى شبهة التضادّ «أنّهم عرفوا الضدّين بأنّهما الأمران الوجوديان غير المتضائفين المتعاقبان على موضوع واحد، لا يتصوّر اجتماعهما فيه، بينهما غاية الخلاف، وعليه فما لا وجود له لا ضدّية بينه و بين شيء آخر كما لا ضدّية بين أشياء لا وجود لها كالاعتباريات التي ليس لها وجود إلّا في وعاء الاعتبار ... و الإنشائيات و بالتبع الأحكام التكليفيّة كلّها من الامور الاعتباريّة لا تحقّق لها إلّا في وعاء الاعتبار» [١].
[١] راجع تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٦٥- ٦٦، طبع جماعة المدرّسين.