أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥٧ - أدلّة المنكرين للحسن و القبح
كثير من الموارد و يخاطب الناس بقوله: «أ فلا تتفكّرون» أو «أ فلا تعقلون» و بقوله: (الألباب» و (هاتوا برهانكم» و لذلك اعترف كثير من الأخباريين بإدراك العقل للضروريات العقليّة و اضطرّوا إلى استثنائها من مقالتهم، و قد مرّ تفصيل الجواب عنهم في مباحث القطع و حجّية القطع الحاصل من طريق العقل فراجع.
الأمر الثالث: إذا اجتمع عنوانان أو عناوين عديدة بعضها حسن و بعضها قبيح على شيء واحد كالدخول في الأرض المغصوبة [١] لإنقاذ الغريق فإنّه قبيح من جهة انطباق عنوان الغصب عليه، و حسن من جهة انطباق عنوان الإنقاذ عليه، فلا إشكال حينئذٍ في أنّ الفعل تابع لأقوى الجهات بعد كسر و انكسار أو يصير خالياً عن الحسن و القبح إذا كانت الجهات متساوية فلا يكون من باب اجتماع النقيضين (كما توهّمه بعض و استكشف من طريق استحالته عدم حسن الأفعال و قبحها ذاتاً.
أدلّة المنكرين للحسن و القبح:
ثمّ إنّه استدلّ لعدم حسن الأفعال و عدم قبحها ذاتاً بوجوه واهية:
منها: أنّه لو كان الحسن و القبح عقليين لزم الجبر في أفعال اللَّه تعالى (سواء في ذلك أفعاله التكوينيّة أو التشريعية) أي لزم أن يكون الشارع الحكيم مقيّداً في تشريعه للأحكام بهذه الأوصاف، و هذا ينافي اختياره تعالى في أفعاله على الإطلاق.
و الجواب عنه واضح، لأنّ الجبر في فعل شيء، و وجود الصارف الاختياري عن ذلك الفعل شيء آخر، فإنّ السلوك على وفق الحكمة و عدم التخطّي عمّا تقتضيه لا ينافي الاختيار، لأنّ العاقل السويّ لا يقدم على شرب السمّ مثلًا و هو مختار مع أنّه قادر عليه، فعدم وقوع الشرب منه لصارف لا ينافي قدرته و اختياره بل هو بنفسه اختار عدم الشرب، كما أنّ صدور فعل منه لداعٍ لا ينافي الاختيار، و كذلك الحكيم تعالى.
[١] و قد جاء التمثيل لهذا في بعض الكلمات بقول القائل: «سأكذب غداً» فإنّ كذبه غداً قبيح من باب قبح الكذب و حسن من باب الوفاء.
و لكن يرد عليه أنّه مغالطة واضحة فإنّ وجوب الوفاء يختصّ بما إذا كان المتعلّق راجحاً.