أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥٦ - المقام الأوّل هل للأشياء حسن و قبح ذاتاً؟
و قسم منها يكون مقتضياً و علّة ناقصة لأحدهما في حدّ ذاته كالصدق الذي يقتضي الحسن ذاتاً ما لم يمنع مانع كما إذا أوجب القاء النفس في التهلكة.
و قسم ثالث منها ليس علة تامّة للحسن أو القبح في حدّ ذاته و لا علّة ناقصة لأحدهما كذلك كالمباحات العقليّة، فما يكون حسناً أو قبيحاً بالوجوه و الاعتبار إنّما هو القسم الثاني و الثالث لا الأوّل.
و من هنا يظهر الجواب عن كثير من الإشكالات الواردة في المقام التي لا طائل تحتها و لا حاجة إلى ذكرها.
الأمر الثاني: لا إشكال في أنّ حكم العقل بالحسن أو القبح مقبول على حدّ الموجبة الجزئيّة لا الكلّية، و لا يقول أحد بأنّ العقل يدرك جميع المصالح و المفاسد و ما يتبعهما من الحسن و القبح، و لذلك فإنّ دلالته على الأحكام الشرعيّة تكون في الجملة لا بالجملة.
و إن شئت قلت: أنّ القضايا على ثلاثة أنواع:
نوع منها يدرك العقل الحسن أو القبيح فيها بالضرورة و البداهة كقضيتي «العدل حسن» و «الظلم قبيح».
و نوع آخر يكون درك العقل للحسن أو القبح فيها بالاستدلال و البرهان كقضية «الصدق حسن» و لو أضرّ بمنفعة الشخص، فيدرك حسن الصدق الضارّ بالتأمّل و النظر.
و نوع ثالث منها لا يدرك العقل الحسن أو القبح فيها لا بالضرورة و لا بالتأمّل و ذلك كما في جزئيات الأحكام الشرعيّة في أبواب العبادات و غيرها، و بعبارة اخرى: يحتاج العقل في إدراكه للحسن أو القبح فيها إلى توسّط من الشرع لأنّه يتوقّف على درك المصلحة أو المفسدة و عللها، و هي امور خارجيّة لا طريق للعقل إلى الحصول عليها إلّا من طريق الشرع، و هذا نظير إدراك العوام لمضارّ الأدوية و منافعها فإنّ إدراكهم لها جزئي صادق في جملة من الأدوية، و أمّا في غيرها فيحتاجون إلى نظر الطبيب.
و من هنا يظهر الجواب عن استدلال الأخباريين ببعض الرّوايات الدالّة على قصور العقل في إدراكه لمصالح الأحكام و مفاسدها كقوله ٧ «إنّ دين اللَّه لا يصاب بالعقول» أو قوله ٧ «و ما أبعد عقول الرجال عن دين اللَّه» فإنّ الظاهر أنّ هذه الرّوايات ناظرة إلى الغالب و القسم الثالث من القضايا، و لا تدلّ على نفي الإدراك مطلقاً، كيف و الشارع بنفسه يستدلّ بالعقل في