أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥٤ - المقام الأوّل هل للأشياء حسن و قبح ذاتاً؟
و إن شئت فاختبر نفسك فيما إذا كنت عابر سبيل و مسافراً لمقصد بعيد فنفد زادك و ضللت عن الطريق مضطرباً حيران فإذا رجلان قد مرّا بك و لكن أحدهما استمر في سيرة و لم يَعتَنِ بك مع قدرته على نجاتك من هذه المهلكة بما عنده من الزاد و المركب، و توقّف الآخر و آثر بنفسه بقدر استطاعته و أنجاك من المهلكة و دلّك على الطريق و أوصلك إلى مقصدك، فهل هما حينئذٍ عندك سيّان؟ أ فلا يحكم وجدانك بقبح عمل الأوّل و حسن فعل الثاني؟ و هكذا في رجلين أحدهما أنقذ غريقاً من البحر و الآخر ألقى رضيعاً في البحر، فهل تجد في نفسك إنّهما يستويان من حيث القدر و القيمة؟ كلّا، بل يحكم وجدانك بحسن عمل الأوّل و قبح عمل الثاني بلا ريب، و لا ترتاب و لو للحظة واحدة في هذا الحكم.
الثاني: أنّ إنكار الحسن و القبح يستلزم إنكار الشريعة و عدم إمكان إثباتها لأنّه متوقّف على إظهار المعجزة على يد النبي الصادق ٦ و هو لا يدلّ على صحّة النبوّة إلّا إذا قلنا بقبح إظهارها على يد الكاذب، و كذلك يستلزم عدم إمكان قبول الوعد و الوعيد الواردين في كتاب اللَّه لأنّه يتوقّف على قبح الكذب و عدم الوفاء بالوعد.
الثالث: إنّه يستلزم عدم وجوب النظر في معجزة المدّعى مع أنّه لا إشكال في وجوبه اتّفاقاً بحكم العقل لاحتمال كونه صادقاً، و هو يوجب احتمال وجود الضرر الاخروي الذي يقبح قبوله، و لذلك يوجب حكم العقل بالاحتياط و وجوب النظر و هكذا يستلزم عدم وجوب التحقيق في أصل التوحيد لأنّه متوقّف على قبح عدم دفع الضرر المحتمل و حسن شكر المنعم.
الرابع: أنّه يستلزم عدم إمكان إثبات وجوب الطاعة بعد ثبوت أصل وجود الباري تعالى و ثبوت نبيّه و الذي جاء به من الاصول و الفروع لأنّه متفرّع على ثبوت حسن لها في الرتبة السابقة فيحكم العقل بوجوبها، و أمّا إثباته بالشرع و بقوله تعالى: «أطيعوا» يوجب التسلسل المحال كما مرّ غير مرّة لأنّ وجوب الإطاعة عن نفس هذا الأمر (أطيعوا) أيضاً يحتاج إلى أمر آخر بالإطاعة إلى أن يتسلسل.
الخامس: ما يدلّ من الآيات على حسن بعض الأفعال و قبح بعض آخر قبل ورود الشرع من قبيل قوله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ