أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦٨ - المسلك الرابع الإجماع الحدسي
قلنا: لا يبعد أن تكون الرّوايات الآمرة بالتكذيب ناظرة إلى من يدّعي نيابة أو رسالة أو حكماً، و أمّا مجرّد دعوى الرؤية بدون ذلك فلا دليل على تكذيبه.
و لكن غاية ما يقتضيه هذا البيان هو إمكان الإجماع التشرّفي ثبوتاً، و أمّا في مقام الإثبات فلم نجد مصداقاً له في ما بأيدينا من الإجماعات المنقولة.
المسلك الرابع: الإجماع الحدسي
و هو كما قال في الفصول: «أن يستكشف عن قول المعصوم ٧ أو عن دليل معتبر باتّفاق علمائنا الأعلام الذين كان ديدنهم الانقطاع إلى الأئمّة : في الأحكام، و طريقتهم التحرّز عن القول بالرأي و مستحسنات الأوهام فإنّ اتّفاقهم على قول و تسالمهم عليه مع ما يرى من اختلاف أنظارهم و تباين أفكارهم ممّا يؤدّي بمقتضى العقل و العادة عند أُولي الحدس الصائب و النظر الثاقب إلى العلم بأنّ ذلك قول أئمّتهم و مذهب رؤسائهم و أنّهم إنّما أخذوه منهم إمّا بتنصيص أو بتقرير» [١].
و قال شيخنا العلّامة الحائري (رحمه الله) في الدرر: «و لا اختصاص لهذه الطريقة باستكشاف قول المعصوم ٧ بل قد يستكشف بها عن رأي سائر الرؤساء المتبوعين، مثلًا إذا رأيت تمام خدمة السلطان (الذين لا يُصدرون إلّا عن رأيه) اتّفقوا على إكرام شخص خاصّ يستكشف منه إنّ هذا إنّما هو من توصيته» [٢].
أقول: يمكن تقريب هذا المسلك بثلاثة وجوه:
الوجه الأوّل: ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) في فوائد الاصول و هو أن نقول بوجود الملازمة العادية بين اتّفاق المرءوسين على أمر و رضا الرئيس إن كان نشأ الاتّفاق عن تواطئهم على ذلك [٣] فكما يكشف قول الشافعي من العلماء الشافعيين و قول أبي حنيفة من تلامذته و كذا غيرهم، كذلك يكشف من إجماع علماء الشيعة قول الإمام المعصوم ٧.
و يرد عليه: إنّ هذا ثابت في زمان الحضور و لا يفيدنا اليوم لأنّ كشف قول الرئيس أو
[١] حكي عنه في عناية الاصول: ج ٣، ص ١٥٣.
[٢] درر الفوائد: ج ٢، ص ٣٧٢.
[٣] راجع فوائد الاصول: ج ٣، ص ١٥٠، طبع جماعة المدرّسين.