أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٦٦ - الفصل الثاني عشر الكلام في النسخ و البداء
منذ البداية، فقد يستكشف لهم بعد جعل الحكم فقدان المصلحة من بدو الأمر.
الثانية: جهلهم بانتهاء مصلحة الحكم و عدم دوامها فيما إذا انتهت المصلحة بعد فترة، فيستكشف لهم عدم دوامها، و لا إشكال في أنّه لا يتصوّر شيء من الأمرين بالنسبة إلى الشارع العليم الحكيم كما لا يخفى، لكن هذا لا ينافي أن يكون جعل الشارع و إنشاؤه بحسب الظاهر و الواقع مطلقاً كما مرّ بيانه.
و مما يؤيّد ما ذكرنا أنّه لو كان النسخ تخصيصاً أزمانياً و دفعاً في مقام الثبوت فكان الزمان مأخوذاً في الحكم يستلزم تخصيص الأكثر المستهجن لأنّ في نسخ حكم واحد يستثنى أكثر الزمان، هذا أوّلًا.
و ثانياً: لا خلاف و لا إشكال في تقديم التخصيص على النسخ عند دوران الأمر بينهما، و هذا ممّا يشهد بأنّ النسخ عندهم هو نزع الحكم من الأصل و الأساس، و لذلك يحتاج إلى مئونة زائدة على التخصيص الذي يكون أساس الحكم فيه باقياً على حاله، و إلّا لو لم يكن النسخ هكذا بل كان في الواقع من مصاديق التخصيص فلا وجه لتقيم التخصيص عليه.
ثالثاً: أنّ عدم جواز النسخ بخبر الواحد و جواز التخصيص به أيضاً شاهد لما ذكرنا حيث إنّه أيضاً يدلّ على زيادة المئونة في النسخ و أنّه رفع الحكم من الأساس.
بقي هنا شيء:
و هو كيف يتصور النسخ في القرآن الكريم؟
لا إشكال في جواز النسخ في القرآن سواء كان الناسخ و المنسوخ كلاهما في القرآن كما في آية النجوى، أو كان خصوص الناسخ فيه كما في حكم القبلة.
لا يقال: أنّه في القسم الأوّل مشمول لقوله تعالى: «وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» [١] لأنّ جوابه واضح، و هو وجود القرينة في هذه الموارد إمّا على أنّ الآية المنسوخة ستنسخ أو على ناسخيّة الآية الناسخة فتكون إحدى الآيتين ناظرة إلى الاخرى، و لا إشكال حينئذٍ في عدم صدق الاختلاف، فالأوّل مثل قوله تعالى: «وَ اللَّاتِي يَأْتِينَ
[١] سورة النساء: الآية ٨٢.