أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٥٤ - إثبات صغرى الظهور (حجّية قول اللغوي)
و إن شئت قلت: الحسّ على نوعين: حسّ دقيق، و حسّ غير دقيق، و لا ريب في أنّ الشهادة و الإخبار عن حسّ دقيق تحتاج إلى التخصّص و الخبرويّة نظير إخبار الطبيب و شهادته على أنّ هذا المريض كذا و كذا، و ما نحن فيه من هذا القبيل لأنّ تشخيص الظهور و تعيين المتفاهم عرفاً بين المعاني و الاستعمالات المتعدّدة أمر مشكل دقيق يحتاج إلى دقّة و خبرويّة، و حينئذٍ يرجع قول اللغوي إلى قول أهل الخبرة لا إلى الشهادة عن حسّ.
هذا- مضافاً إلى ما أثبتناه في القواعد الفقهيّة [١] من أنّه لا يعتبر التعدّد في الإخبار عن الموضوعات بل في غير باب القضاء يكفي خبر الواحد الثقة.
رابعها: ما ورد في تهذيب الاصول من «أنّ مجرّد بناء العقلاء على الرجوع في هذه القرون لا يكشف عن وجوده في زمن المعصومين حتّى يستكشف من سكوته رضاهم، مثل العمل بخبر الواحد و أصالة الصحّة ... (إلى أن قال): و الحاصل: أنّ موارد التمسّك ببناء العقلاء إنّما هو فيما إذا احرز كون بناء العقلاء بمرأى و مسمع من المعصومين : و لم يحرز رجوع الناس إلى صناعة اللغة في زمن الأئمّة بحيث كان الرجوع إليهم كالرجوع إلى الطبيب» [٢].
قلنا: لا حاجة في حجّية خصوص قول اللغوي الذي هو من مصاديق كبرى بناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة إلى وجود خصوص هذا المصداق في زمن المعصومين : بل مجرّد وجود الكبرى في ذلك الزمان كافٍ، و إلّا يلزم من ذلك عدم جواز الرجوع إلى أهل الخبرة بالنسبة إلى المصاديق المستحدثة. هذا أوّلًا.
و ثانياً: أنّه لا ريب في رجوع غير أهل اللسان في زمن المعصومين إلى أهل اللسان في حاجاتهم اليوميّة التي كانت مربوطة بتعيين معاني اللغات و الألفاظ المتداولة في ذلك اللسان كرجوع أعجمي إلى أهل لسان العرب في تشخيص رسائل الوصايا و الأوقاف و أسناد المعاملات و المراسلات العادية التي كانت مكتوبة باللغة العربيّة، و على الأقلّ في فهم ما يتعلّق بالقرآن و الحديث في توضيحهما و تفسيرهما و تبيين مفرداتهما فلا تتوقّف إثبات اتّصال سيرة العقلاء إلى زمن المعصومين : على تدوين كتب في اللغة في ذلك الزمان و رجوع الناس إليها كذلك.
[١] راجع القواعد الفقهيّة: المجلّد الثاني، ص ٨١، الطبعة الثانية.
[٢] تهذيب الاصول: ج ٢ ص ٩٧، طبع جماعة المدرّسين.