أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٤٧ - الأمر الثالث في اختلاف القراءات
و إن قلنا بالاحتمال الثالث فتكون المسألة من قبيل اشتباه الحجّة بلا حجّة، فتصير حينئذٍ حجّية كلّ منهما ظنّية، و قد ثبت في محلّه أنّ احتمال العدم في باب الحجّية يساوق عدم الحجّية.
و إن شئت قلت: قد ثبت في محلّه أنّ الأصل في الظنون عدم الحجّية.
المسألة الثالثة: في مقتضى القاعدة الأوّليّة بعد التساقط فنقول: مقتضى القواعد العامّة الفقهيّة بعد الشكّ في حكم خاصّ و إجمال الدليل هو الرجوع إلى العمومات و الأدلّة الاجتهادية أوّلًا فإن ظفرنا بها فهو، و إلّا تصل النوبة إلى الاصول العمليّة، ففي المثال المعنون في محلّ البحث مثلًا لو فرض إجمال قوله تعالى: «فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الَمحِيضِ وَ لَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ» لا بدّ من الرجوع أوّلًا إلى العمومات الواردة في المسألة، و قيل أنّ العام فيها قوله:
«فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ» لأنّ عموم «أنّى شئتم» يشمل جميع الأزمنة (لأنّه بمعنى «متى شئتم» أو «أي زمان شئتم») و خرج عنه خصوص زمان وجود الدم فقط، فبمجرّد النقاء يأتي جواز الوقاع لذلك العموم و لا تصل النوبة إلى استصحاب الحرمة.
هذا إذا قلنا أنّ كلمة «أنّى» بمعنى «متى» فحسب، و أنّ معناها واضح لا إجمال فيه، و أمّا إذا قلنا بإجماله كما أنّه كذلك لأنّه ذكر لها في اللغة ثلاث معانٍ ففي المجمع البحرين «أنّى» بمعنى «متى» و «أنّى» بمعنى «كيف» و «أنّى» بمعنى «أين» (كقوله تعالى: أنّى لك هذا) بل بعض اللغويين لم يذكروا المعنى الأوّل، و هو الراغب في المفردات (الذي هو من أئمّة اللغة و كتابه مختصّ بلغات القرآن و محلّ البحث في المقام من جملتها) فيثبت حينئذٍ عدم تماميّة الدليل اللفظي الاجتهادي و تصل النوبة إلى الرجوع إلى الاصول العمليّة، و الأصل العملي في المثال هو استصحاب وجوب الاعتزال لأنّ موضوعه هو خصوص النساء و ليس سيلان الدم من مقوّماته حتّى يوجب تغيير الموضوع بعد الانقطاع بل هي من حالاته كاستصحاب النجاسة في الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره، و لو فرض كونه مقوّماً كما إذا قلنا بأنّ معنى قوله تعالى «اعتزلوا النساء» قولك «اعتزلوا الحائض» يجري الاستصحاب أيضاً لوحدة القضيّة المتيقّنة و المشكوك عند العرف في المقام لما عرفت من أنّ الحيض عند العرف ليس من مقدّمات الموضوع بل إنّه من حالاته بخلاف ما إذا صار المجتهد ناسياً لعلومه فلا يجوز تقليده بعد عروض النسيان تمسّكاً باستصحاب جواز التقليد لأنّ الاجتهاد عند العرف من مقوّمات الموضوع بالنسبة إلى هذا الحكم فيلزم تبدّل الموضوع بعد عروض النسيان.