أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٧٣ - و أمّا الأمر الثاني في إمكان التعبّد بالظّن
و نحن نذكرها واحداً بعد واحد ثمّ نبيّن المختار في المقام (و هو نفس ما يستفاد من كلمات شيخنا الأعظم):
١- قال المحقّق الخراساني (رحمه الله) ما حاصله: أنّ أغلب هذه المحاذير نشأ من توهّم أنّ التعبّد بالأمارة و اعتبار الأمارة شرعاً معناه أنّ للشارع أحكاماً ظاهريّة على طبق مؤدّياتها، فإذا قامت الأمارة على وجوب شيء فيحكم الشارع ظاهراً بوجوب ذلك الشيء، و إذا قامت على حرمة شيء فيحكم ظاهراً بحرمة ذلك الشيء و هكذا، و بعبارة اخرى: أنّ هذه المحاذير نشأت من القول بجعل أحكام ظاهريّة على وفق مؤدّى الأمارة مع أنّنا لا نلتزم بإنشاء الأحكام الظاهريّة في مورد الأمارات بل المجعول فيها هو نفس المنجزيّة و المعذّريّة عند الإصابة و الخطأ، و هذا لا يستتبع إنشاء أحكام تكليفية ظاهريّة على طبق مؤدّيات الطرق في قبال الأحكام الواقعيّة كي يلزم منها اجتماع المثلين عند إصابة الأمارات و مطابقتها للواقع، و اجتماع الضدّين من إيجاب و تحريم و إرادة و كراهة و مصلحة و مفسدة بلا كسر و انكسار في البين عند خطأ الأمارات و مخالفتها للواقع، بل إنّما يلزم منها تنجّز التكليف الواقعي بقيام الأمارة المعتبرة عند اصابتها و صحّة الاعتذار بها عند خطأها.
نعم، يبقى في البين إشكال واحد و هو تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة عند خطأ الأمارة، و هذا ممّا لا محذور فيه إذا كان في التعبّد بالظنّ الذي اعتبره الشارع مصلحة غالبة على مفسدة التفويت أو الإلقاء كما لا يخفى.
أقول: الظاهر أنّ مراده من المصلحة الغالبة هو الوصول إلى الواقعيات غالباً مع تسهيل الأمر للمكلّفين و رفع التضييق عنهم، فحيث إنّها كانت أهمّ بنظر الشارع من تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة عند خطأ الأمارة أحياناً قدّمها عليه.
ثمّ قال: هذا كلّه إذا كانت الحجّية بمعنى المنجّزيّة و المعذّريّة و لو فرضنا كونها بمعنى جعل الحكم المماثل فلا يلزم محذور أيضاً، لأنّ هذه الأحكام المجعولة على طبق مؤدّيات الأمارات أحكام طريقيّة مقدّمة للوصول إلى الواقعيات لا توجب إلّا تنجّز التكليف إذا أصابت الواقع، و صحّة الاعتذار إذا أخطأت، من دون أن تكون ناشئة عن مصلحة أو مفسدة.
ثمّ إنّه (قدس سره) نظر إلى أنّ هذا البيان كلّه يصحّ بالنسبة إلى الأمارات و لكن الإشكال باقٍ بعدُ في بعض الاصول الشرعيّة مثل الإباحة الشرعيّة التي توجب جعل حكم ظاهري بلا ريب