أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨٥ - الثاني الاستحسان
إحداهما: ما حكي عن الشافعي في مذمّة الاستحسان و هو: «من استحسن فقد شرّع» [١] لكن اختلف في المراد من هذه الجملة فحكي عن الفتوحات أنّ المراد منها أنّ للاستحسان مقاماً عالياً كمقام الأنبياء و تشريعاتهم، لكن الإنصاف أنّ الواضح كونها في مقام المذمّة، و لذا عدّوا الشافعي من نفاة الاستحسان.
ثانيها: ما نقل عن المالك في مدح الاستحسان و هو «أنّه تسعة أعشار العلم» [٢].
و نسب إلى الظاهريين منهم إنكاره، و المعروف من مذهب أصحابنا نفيه مطلقاً.
هذه هي الأقوال في المسألة.
ثمّ إنّ الاستحسان على قسمين: قطعي و ظنّي.
فالقطعي منه لا كلام في حجّيته بناءً على الحسن و القبح العقليين و قاعدة الملازمة.
و الظنّي هو موضع البحث و النزاع. فالقائلون بحجّيته تمسّكوا بالكتاب و السنّة و الإجماع.
أمّا الكتاب: فاستدلّوا أوّلًا: بقوله تعالى: «فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» [٣]. و ثانياً: بقوله تعالى: «وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ» [٤] بتقريب أنّ مدح العباد على اتّباع أحسن القول في الآية الاولى و إلزامهم باتّباع أحسن ما انزل إليهم من ربّهم في الآية الثانية أمارة على جعل الحجّية له بالنسبة إلى الأقوال، و مع إلغاء الخصوصيّة للأقوال تثبت الحجّية للاستحسان في الأفعال أيضاً.
لكن الإنصاف أنّه لا ربط للآيتين بالاستحسان، فإنّهما مربوطتان بالأحسن الواقعي، و الطريق إلى الواقع إنّما هو القطع أو الظنّ الثابت حجّيته لأنّ الألفاظ وضعت للمعاني الواقعيّة و لم يؤخذ فيها العلم و الجهل، فوضع لفظي «الدم» و «الخمر» مثلًا للدم و الخمر الواقعيين، فإن قطعنا بالواقع فهو حجّة لكون القطع نفس مشاهدة الواقع فيكون حجّة ذاتاً، و إن ظننا فلا دليل على حجّيته و ليست الحجّية ذاتيّة للظنّ، هذا أوّلًا.
[١] الاصول العامّة: ص ٣٦٣، و فوائد الرحموت حاشية المستصفى: ج ٢، ص ٣٢١.
[٢] المصدر السابق.
[٣] سورة الزمر: الآية ١٨.
[٤] سورة الزمر: الآية ٥٥.