أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦٢ - ١- دليل حجّية الإجماع عند العامة
من طريق عمر و ابن مسعود و أبي سعيد الخدري و أنس بن مالك و ابن عمر و أبي هريرة و حذيفة بن اليمان و غيرهم [١].
ففي سنن ابن ماجة [٢]: حدّثني أبو خلف الأعمى قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول اللَّه ٦ يقول: «إنّ امّتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم» و في نقل آخر: «لم يكن اللَّه ليجمع امّتي على الضلالة» و في ثالث: «سألت اللَّه أن لا يجمع امّتي على الضلالة فأعطانيها» و في رابع: «لا تزال طائفة من امّتي على الحقّ ظاهرين لا يضرّهم من خالفهم» (و في تعبير آخر: لا يضرّهم خلاف من خالفهم).
و قد نوقش فيه: تارةً من ناحية السند، و اخرى من ناحية الدلالة، أمّا السند فقد ناقش فيه أهل السنّة أنفسهم، منهم بعض شرّاح سنن ابن ماجة فإنّه قال في ذيل هذا الحديث: «و في إسناده ابو خلف الاعمى و اسمه حازم ابن عطاء و هو ضعيف، و قد جاء الحديث بطرق في كلّها نظر».
أمّا الدلالة فلو كان في التعبير الوارد في الحديث كلمة «خطأ» كما هو المعروف في الألسنة أي كان الحديث هكذا: لا تجتمع امّتي على خطأ، فلا إشكال في دلالته لكن لم يرد الحديث بهذا التعبير في الجوامع الموجودة، بل التعبيرات منحصرة فيما نقلناه [٣]، و حينئذٍ لقائل أن يقول: إنّ التعبير بالضلالة الموجود فيها ظاهرة في الضلالة في اصول الدين لأنّ هذا هو المتبادر من الضلالة، فلا يثبت بها حجّية الإجماع في الأحكام الفرعيّة، هذا أوّلًا.
و ثانياً: سلّمنا الإطلاق و صحّة السند إلّا أنّ متعلّق الضلالة فيها هو لفظ الامّة، فيكون المفاد حينئذٍ أنّ جميع المسلمين لا يجتمعون على باطل (لأنّ الظاهر من الامّة هو تمام الامّة) و هذا لا يفيد إلّا من يقول بأنّ إجماع الامّة حجّة، أمّا سائر الأقوال كإجماع العلماء أو إجماع
[١] راجع الاصول العامّة للفقه المقارن: ص ٢٦١.
[٢] سنن ابن ماجة: ج ٢، ح ١٣٠٣.
[٣] نعم في شرح ابن أبي الحديد: ج ٨، الخطبة ١٢٨، ص ١٢٢: «قوله ٧: و الزموا السواد الأعظم» و هو الجماعة و قد جاء في الخبر من رسول اللَّه ٦ هذه اللفظة التي ذكرها ٧ و هي: «يد اللَّه على الجماعة لا يبالي بشذوذ من شذّ» و جاء في معناها كثير نحو قوله ٧: «الشيطان مع الواحد و هو من الاثنين أبعد» و قوله: «لا تجتمع امّتي على خطأ» و قوله: «سألت اللَّه ألّا تجتمع على خطأ فأعطانيها» و قوله: «لم يكن اللَّه ليجمع امّتي على ضلالة و لا خطأ».