أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٥٩ - ١- دليل حجّية الإجماع عند العامة
عن معصية الرسول و شقّ عصا المجتمع الإسلامي، و تتكلّم عن مخالفة الرسول و الكفر بعد الإيمان و ما يترتّب عليه من العذاب الاخروي، فالمقصود من اتّباع غير سبيل المؤمنين في قوله تعالى: «وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ» هو مخالفة الرسول و اتّباع الكفر بعد الإيمان، فإنّ سبيل المؤمنين بما هم مجتمعون على الإيمان هو الاجتماع على طاعة الرسول الذي طاعته طاعة اللَّه تعالى.
و الشاهد على ذلك امور:
١- ما ورد في شأن نزولها من أنّ قوماً من الأنصار من بني ابيرق اخوة ثلاثة كانوا منافقين: بشير و بشر و مبشّر، فنقبوا على عمّ قتادة بن النعمان، و أخرجوا طعاماً كان أعدّه لعياله و سيفاً و درعاً، فشكا قتادة ذلك إلى رسول اللَّه ٦ و فضح بنو ابيرق، فكفر بشر و ارتدّ، و لحق بالمشركين بدل أن يستغفر اللَّه و يتوب إليه من ذنبه فأنزل اللَّه «و من يشاقق ..» حيث إن اتّباع بشر غير سبيل المؤمنين إنّما هو ارتداده و لحوقه بالمشركين لا مخالفته لإجماع المسلمين في حكم فرعي.
٢- إنّ سبيل المؤمنين في قوله تعالى: «وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ» سبيلهم بما هم مجتمعون على الإيمان، فيكون المعنى، سبيل الإيمان، لأنّ تعليق حكم بوصف مشعر بعلّيته. فالمراد من الآية الخروج من الإيمان إلى الكفر لا المخالفة في المسائل الفرعيّة.
٣- أنّ قوله تعالى: «و يتّبع ...» شرط في الجملة، و جزاؤه قوله تعالى: «نولّه ما تولّى» و لا إشكال في أنّ المقصود من الجزاء انّا نأخذه على ما جرى عليه من ولاية الطاغوت فوزانه وزان قوله تعالى في ذيل آية الكرسي: «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ» و قوله تعالى: «يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ» [١] فليكن المقصود من الشرط (اتّباع غير سبيل المؤمنين) أيضاً قبول ولاية الطاغوت.
٤- لو لم يكن قوله تعالى: «وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ» عطفاً تفسيريّاً لمشاقّة الرسول، و كان المراد منه مخالفة الإجماع في المسائل الفرعيّة، أي أمراً آخر وراء مشاقّة الرسول ٦ فلتكن هي وحدها موجبة للدخول في جهنّم كما أنّ مشاقّة الرسول وحدها موجبة له، و لازمه
[١] سورة الإسراء: الآية ٧١.