أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٢٢ - الفصل السادس الكلام في الخطابات الشفاهيّة
و أورد عليه في حاشية الأجود بأنّ مجرّد الوجود لا يكفي في الخطابات المشافهة بل تحتاج إلى فرض الحضور أيضاً و القضايا الحقيقيّة تفرض لنا الوجود فقط.
ثمّ حاول لحلّ الإشكال، فذهب إلى ما بنى عليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) من أنّ الأدوات وضعت للخطاب الإنشائي، ثمّ قال في آخر كلامه ما حاصله: هذا إذا قلنا أنّ الخطابات القرآنية خطابات من اللَّه بلسان النبي ٦، أمّا إذا قلنا أنّها نزلت عليه قبل قراءته يكون هذا النزاع باطلًا من أصله لعدم وجود مخاطب غير النبي ٦ في ذلك الزمان [١].
أقول: الظاهر أنّ إشكاله على المحقّق المذكور غير وارد لما سيأتي، مضافاً إلى أنّ الكلام هو في المنهج الذي سلكه لحلّ الإشكال، لأنّ قوله: إنّ الأدوات وضعت للخطاب الإنشائي تبعاً للمحقّق الخراساني (رحمه الله) يستلزم عدم كون الخطابات القرآنيّة بداعي الخطاب الحقيقي، و هو خلاف الوجدان و خلاف بعض الرّوايات الواردة لبيان آداب التلاوة نظير ما ورد لاستحباب ذكر «لبّيك» بعد تلاوة خطاب «يا أيّها الذين آمنوا»، هذا أوّلًا.
ثانياً: بالنسبة إلى قوله: «إن قلنا أنّ الخطابات القرآنية نزلت على النبي قبل قراءته» (إلى آخره): أنّه لا ريب في أنّها نزلت عليه قبل قراءته، فلا ينبغي التعليق و الترديد فيه بقوله «إن قلنا»، لكن هذا لا يلازم بطلان النزاع من رأسه، لأنّها و إن نزلت قبل قراءته ٦ لكنّه ٦ خليفة اللَّه في مخاطبة الناس فيخاطبهم بلسان الباري تعالى.
و الإشكال الأساسي في كلمات هؤلاء الأعلام أنّهم تسالموا على وجود الملازمة بين خطاب المشافهة و الحضور و أنّ الحضور لازم فيها، بينما قلنا أنّ حقيقة الخطاب هي توجيه الكلام نحو الغير مع الإيصال إليه بأيّ وسيلة.
ثمّ إنّه قد حاول في تهذيب الاصول تحليل القضيّة الحقيقيّة و الخارجيّة، و قال: «إنّ هذا التقسيم للقضايا الكلّية، و أمّا الشخصيّة مثل «زيد قائم» ممّا لا تعتبر في العلوم فخارجة عن المقسم، فقد يكون الحكم في القضايا الكلّية على الأفراد الموجودة للعنوان بحيث لا ينطبق إلّا عليها مثل «كلّ عالم موجود في حال كذا» أو «كلّ من في هذا العسكر كذا» و أمّا القضيّة الحقيقيّة فهي ما يكون الحكم فيها على أفراد الطبيعة القابلة للصدق على الموجود في الحال
[١] راجع أجود التقريرات: ج ١، ص ٤٩١.