أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥٧ - أمّا الطائفة الثالثة التي تدلّ على انحصار الحجّة الشرعيّة بالنقل
للنبي أو لجماعة من المؤمنين مثلًا، و أدرك عدم مزاحمة شيء آخر لها، و أدرك أنّ الأحكام الشرعيّة ليست جزافيّة و إنّما هي لأجل ايصال العباد إلى المصالح و تبعيدهم عن المفاسد، كيف يعقل أن يتوقّف في استكشاف الحكم الشرعي بوجوبه و يحتمل مدخلية وساطتهم (صلوات اللَّه و سلامه عليهم) بل لا محالة يستقلّ بحسن هذا الكذب ويحكم بمحبوبيته، و الحاصل أنّ المدّعى هو تبعيّة الحكم الشرعي لما استقلّ به العقل من الحسن و القبح، و بعد الاستقلال لا يبقى مجال لهذا الاحتمال أصلًا» [١].
أقول: و لذلك نعتقد بأنّ من لم يصل إليه بلاغ من رسول فلا أقلّ من استحقاقه للعقاب على ترك ما يستقلّ به العقل، فلو قتل إنساناً عالماً عامداً كان مستحقّاً للعذاب عند اللَّه تعالى بلا إشكال، و لا يمكن أن يقال: إنّ هذا الحكم ما لم يصل إلى هذا القاتل من ناحية الشرع كان معذوراً في هذا الفعل.
ثمّ إنّ الاصوليين استدلّوا لحجّية العقل في قبال الأخباريين بوجوه:
الأوّل: الأخبار الواردة في هذا المجال:
منها: ما رواه محمّد بن عبد الجبّار عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله ٧ قال قلت له:
ما العقل؟ قال: «ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان»، قال: قلت فالذي كان في معاوية؟
فقال: «تلك النكراء، تلك الشيطنة و هي شبيهة بالعقل و ليست بالعقل» [٢].
و منها: ما رواه هشام عن أبي عبد الله ٧ في حديث طويل: «يا هشام أنّ للَّه على الناس حجّتين حجّة ظاهرة و حجّة باطنة فأمّا الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمّة : و أمّا الباطنة فالعقول» [٣].
و منها: ما رواه إسماعيل بن مهران عن بعض رجاله عن أبي عبد الله ٧ قال: «العقل دليل المؤمن» [٤].
و منها: ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ٧ قال: «لمّا خلق اللَّه العقل استنطقه ثمّ قال
[١] أجود التقريرات: ج ٢، ص ٤٠.
[٢] اصول الكافي: كتاب العقل و الجهل، ح ٣.
[٣] المصدر السابق: ح ١٢.
[٤] المصدر السابق: ح ٢٤.