أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٧ - الأقوال في المسألة
هناك مانعاً يمنع من حكم الشارع على طبق ما أدركه العقل و إن كان ما أدركه مقتضياً لحكم الشارع» [١].
فملخّص كلامه هذا ثبوت الملازمة في صورة التطابق و عدم ثبوتها في صورة عدم التطابق و أنّ الوجه في الأوّل كون الشارع من العقلاء، فلو لم يكن له حكم يستلزم الخلف، و في الثاني احتمال كون المناط في نظر الشارع غير ما هو المناط في نظر العقل، أو وجود المانع في فرض اتّحاد المناط، و قال أيضاً في موضع آخر: «و القضايا المشهورة ليس لها واقع وراء تطابق الآراء، أي أنّ واقعها ذلك فمعنى حسن العدل أو العلم عندهم أنّ فاعله ممدوح لدى العقلاء، و معنى قبح الظلم و الجهل أنّ فاعله مذموم لديهم» [٢].
ثمّ إنّه قال في محلّ آخر من كلامه (بعد تقسيمه الأمر إلى المولوي و الإرشادي و تفسيره الأمر المولوي بالتأسيسي و الإرشادي بالتأكيدي) ما نصّه: «و الحقّ أنّه للإرشاد حيث يفرض أنّ حكم العقل هذا كافٍ لدعوة المكلّف إلى الفعل الحسن و اندفاع إرادته للقيام به فلا حاجة إلى جعل الداعي من قبل المولى ثانياً بل يكون عبثاً و لغواً بل هو مستحيل لأنّه يكون من باب تحصيل الحاصل» [٣].
و نتيجة هذا الكلام أنّ حكم الشارع في مثل قوله تعالى: «كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ» و قوله:
«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإِحْسَانِ» بالقسط و العدل و الاحسان إرشادي لأنّ العقل أيضاً يحكم بكلّ واحد منها.
أقول: كلّ هذا من عجائب الكلام لأنّه أوّلًا: أنّه لا دخل لتطابق آراء العقلاء في المباحث العقليّة، بل الميزان فيها هو القطع الحاصل ببداهة العقل أو النظر و الاستدلال و كلّ إنسان من هذه الناحية تابع لعقله و يقينه، فلو قطع أحد بوجوب المقدّمة في مبحث وجود الملازمة بين وجوب المقدّمة و وجوب ذي المقدّمة يكون قطعه هذا حجّة عليه و لو خالفه غيره.
و بعبارة اخرى: القطع في المقام نظير القطع في الامور الحسّية فكما أنّه حجّة للقاطع في الامور الحسّية و لا يضرّ بها مخالفة السائرين، فكذلك في الامور العقليّة البرهانية، و قد مرّ فيما
[١] اصول الفقه: ص ٢٣٩- ٢٤٠.
[٢] المصدر السابق: ص ٢٢٥.
[٣] المصدر السابق: ص ٢٣٧.