أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٦٧ - أمّا المقام الثاني في كفاية العلم الإجمالي في مقام الامتثال و عدمه
بعض الأغذية و شرب بعض آخر لرفع المرض و الحصول على السلامة، و المريض يتركها لكن لا لجهة مرضه و تحصيل السلامة عنه بل لما يترتّب عليها من العواقب و الآلام.
بقي هنا امور:
الأوّل: إنّه هنا كان البحث في جواز الامتثال الإجمالي مع القدرة على تحصيل العلم التفصيلي و اخترنا فيه الجواز، أمّا إذا لم يقدر على تحصيل العلم التفصيلي بل كان قادراً على الظنّ التفصيلي الذي هو الغالب في الفقه كما مرّ وعليه يدور رحى الاجتهاد و التقليد فالكلام فيه أظهر، بل يجوز الامتثال الإجمالي فيه بطريق أولى كما أشرنا إليه سابقاً.
الثاني: أنّ ما يقال من «أنّ الاحتياط في ترك الاحتياط» فهو صحيح على الإطلاق في بعض الموارد، و هو ما إذا كان قادراً على العمل التفصيلي، و الوجه فيه هو الخروج عن القول بالخلاف، أمّا إذا لم يقدر على العلم بل كان قادراً على الظنّ التفصيلي المعتبر، فحينئذٍ لعلّ الاحتياط من بعض الجهات كان في العمل بالاحتياط لا في تركه، و ذلك لأنّ الاحتياط حينئذٍ يوصل الإنسان إلى الواقع قطعاً، و الظنّ المعتبر يوصله إليه ظنّاً (مع قطع النظر عن ما يستلزم التكرار من مخالفة الاحتياط).
الثالث: لا يخفى أنّ ما اخترناه من جواز الاحتياط لا يجري في نفس المسألة و هي «هل يجوز العمل بالعلم الإجمالي و الاحتياط مع إمكان الاجتهاد أو التقليد؟» بل لا بدّ فيها من الاجتهاد أو التقليد و هو واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.
الرابع: كثيراً ما لا يمكن العمل بالاحتياط لكونه من موارد الدوران بين المحذورين، و يرشدنا إلى هذه الموارد الرجوع إلى أبواب الحدود و التعزيرات و القصاص و كذلك باب الإرث و كثير من أبواب المعاملات، و حينئذٍ لا بدّ من الاجتهاد أو التقليد و على هذا العمل بالاحتياط مطلقاً غير ممكن.
الخامس: أنّ العمل بالاحتياط قد يوجب العسر و الحرج لشخص الإنسان و قد يوجب اختلال النظام أو الاضرار بالغير كما إذا استلزم من احتياط إنسان الاضرار بعياله أو صديقه مثلًا، فعلى الأوّل لا إشكال في جوازه و عدم حرمته لأنّه ليس ناشئاً من جانب الشارع بل هو نشأ من ناحية شخصه و اختياره، و لا كلام في أنّ المرفوع في أدلّة العسر و الحرج هو الإلزام