أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٤ - المسألة الاولى في حجّية القطع
ثانيهما: ما مرّ من اجتماع الضدّين، و إن شئت فعبّر عنه بالتناقض.
إن قلت: اجتماع الضدّين ليس مستحيلًا في الامور الاعتباريّة.
قلت: إنّه كذلك، و لكنّه قبيح عن الحكيم، و بعبارة اخرى: علم العبد بعدم صدور القبيح من المولى يوجب إيجاد التناقض في ذهنه، و حينئذٍ لا حاجة لتتميم الإشكال إلى ارجاعه بالنسبة إلى ذهن المولى و إرادته كما فعل في تهذيب الاصول بل بهذا البيان يتصوّر هو أيضاً بالنسبة إلى ذهن العبد.
بقي هنا أمران:
الأمر الأوّل: أنّ هذا كلّه في القطع الحقيقي، أمّا القطع العادي العرفي و هو المسمّى بالاطمئنان و الوارد في الآراء العلميّة و النظرات الفلسفية (غير البديهيات أو شبهها) فلا يجري فيه هذا الكلام، فإن كلّ إنسان يحتمل خطأه في بعض آرائه العلميّة النظريّة مع كثرتها، و لا يوجد إنسان لا يحتمل الخطأ في شيء من آرائه النظريّة أبداً، و حينئذٍ نقول: كيف يجتمع العلم في كلّ واحد من هذه الآراء مع احتمال الخطأ في بعضها، و هل تجتمع الموجبة الكلّية مع السالبة الجزئيّة، و هذا دليل على أنّ ما نسمّيه قطعاً في المسائل العلميّة في الحقيقة من قبيل الاطمئنان لا القطع الحقيقي الذي لا تجتمع مع احتمال الخطأ أبداً، فلو تأمّلت في ما ذكرنا تعرف أنّ العلم الحاصل لنا في هذه المسائل من قبيل العلم العرفي لا العلم الحقيقي، فتدبّر جيّداً.
و في مثل هذا النوع من القطع يمكن أن تكون حجّيته قابلة للجعل لاستقرار بناء العقلاء على حجّيته، و الشارع أيضاً أمضى ذلك إلّا بالنسبة إلى بعض الموارد و لعلّ من هذا البعض باب الطهارة و النجاسة حيث إن الظاهر أنّه اعتبر فيه حصول القطع الحقيقي الحسّي أو كالحسّي و لم يمض الشارع بناءهم هنا، و إلّا يشكل الأمر على كثير من الناس في هذا الباب كما لا يخفى على الخبير.
الأمر الثاني: أنّ ما تقدّم من كون القطع منجزاً للتكليف أو معذّراً له إنّما هو فيما إذا كان التكليف المتعلّق به القطع فعليّاً لا إنشائيّاً محضاً، و لذلك ينبغي الإشارة هنا إلى مراتب الحكم فنقول: قد ذكروا للحكم مراتب أربع:
الاولى: مرتبة الاقتضاء و هي مرتبة الملاك و المصلحة.