التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٣ - ٢٣ الإسرائيليات في قصة أيوب عليه السلام
من إخوانه، كانا من أخصّ إخوانه له، كانا يغدوان إليه و يروحان، فقال أحدهما لصاحبه:
تعلم- واللّه- لقد أذنب أيّوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: و ما ذاك؟
قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه اللّه، فيكشف ما به. فلمّا راحا إليه لم يصبر الرجل حتّى ذكر ذلك له، فقال أيّوب عليه السلام: ما أدري ما تقول، غير أنّ اللّه عز و جل يعلم أنّي كنت أمرّ على الرجلين يتنازعان، فيذكران اللّه، فأرجع إلى بيتي، فأُكفّر عنهما كراهية أن يذكرا اللّه إلّا في حقّ. قال: و كان يخرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده، حتّى يبلغ، فلمّا كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحى اللّه إلى أيّوب في مكانه: أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد و شراب».
و قال ابن كثير: رَفْع هذا الحديث غريب جدّا[١]، و قال الحافظ ابن حجر: و أصحّ ما ورد في قصّته ما أخرجه ابن أبي حاتم و ابن جرير، و صحّحه ابن حبّان و الحاكم، بسند عن أنس: أنّ أيّوب ... ثمّ ذكر مثل ذلك.
و المحقّقون من العلماء على أنّ نسبة هذا إلى المعصوم صلى الله عليه و آله و سلم إمّا من عمل بعض الوضّاعين الذين يركبون الأسانيد للمتون، أو من غلط بعض الرواة، و أنّ ذلك من إسرائيليّات بني إسرائيل و افتراءاتهم على الأنبياء. على أنّ صحّة السند في مصطلحهم لا تنافي أنّ أصله من الإسرائيليّات، و ابن حجر على مكانته في الحديث ربّما يوافق على تصحيح ما يخالف الأدلّة العقليّة والنقليّة، كما فعل في قصّة الغرانيق، و هاروت و ماروت، و كلّ ما روي موقوفا أو مرفوعا لا يخرج عمّا ذكره وهب بن منبّه، في قصّة أيّوب، التي أشرنا إليها آنفا، و ما روي عن ابن إسحاق أيضا، فهو ممّا أُخذ عن وهب، و غيره.
و هذا يدلّ أعظم الدلالة على أنّ معظم ما روي في قصّة أيّوب ممّا أُخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا، و جاء القصّاصون المولَعون بالغرائب، فزادوا في قصّة أيّوب، و أذاعوها، حتّى اتّخذ منها الشحّاذون، و المتسوّلون وسيلة لاسترقاق قلوب الناس،
[١] -. تفسير ابن كثير، ج ٣، ص ١٨٩.