التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٨ - أهم أسباب الوضع
لكن سيوافيك في قصّة الإسرائيليّات أنّ القصص في المساجد، حدث في أواخر عهد عمر، حين استجازه تميم الداريّ فأجازه أن يقصّ قائما في مسجد المدينة[١]. و هكذا استمرّ على عهد عثمان، حتّى كان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام هو الذي طرد القُصّاص من المساجد على عهده[٢]، الأمر الذي قد أصرّ معاوية على تدوامه في المساجد، منذ أن أجازه عمر بن الخطّاب.
و كان الذي أشاع القصّ في المساجد هو كعب الأحبار؛ حيث انتهز الفرصة أيّام الفتنة لبثّ مخاريقه بين المسلمين كيدا بالإسلام؛ و ذلك أن وجد من سياسة معاوية إمكان إشاعة أساطيره بين الناس.
كان كعب قد توعّده عمر بالنفي إلى أرض القردة إذا هو روى إسرائيليّاته أو ما كان يلصقه بالنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من أحاديث خرافة (ستوافيك في حقل الإسرائيليّات). فلم يجد كعب تلقاء هذا التهديد مناصا من أن يذعن في غيظ و موجدة، ثمّ أخذ يسعى في الخفاء لكي يحقّق أغراضه التي أسلم من أجلها. قال أبو ريّة: و ما لبث أن أُتيحت له فرصة المؤامرة التي دبّرتها جمعيّة سرّيّة لقتل عمر، فاشترك هو فيها، و نفخ في نارها.
فلمّا خلا له الجوّ بقتله، أطلق العنان لنفسه لكي يبثّ ما شاء الكيد اليهوديّ أن يبثّ من الخرافات الإسرائيليّات التي تشوّه بهاء الدين، يعاونه في ذلك تلاميذه الكبار أمثال: عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب، و أبي هريرة.
و قد درس هذا الكاهن اليهوديّ في ملامح معاوية تحقيق أهدافه و إمكان رواج إسرائيليّاته، فلم يدع تلك الفرصة، و اغتنمها منذ عهد عثمان.
ذلك أنّه لما اشتعلت نيران الفتنة في زمن عثمان و اشتدّ زفيرها، حتّى التهمت عثمان فقتلته و هو في بيته، لم يدع هذا الكاهن الماكر هذه الفرصة تمرّ دون أن يبتهلها، بل أسرع ينفخ في نارها، و يسهم بكيده اليهوديّ فيها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. و قد كان من كيده
[١] -. سير أعلام النبلاء، ج ٢، ص ٤٤٧.
[٢] -. فجر الإسلام لأحمد أمين، ص ١٥٩- ١٦٠.