التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٢ - التأويل عند أرباب القلوب
و بطن»، فلا يصدّنّك عن تلقّي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل و معارضة: هذا إحالة لكلام اللّه و كلام رسوله، فليس ذلك بإحالة، و إنّما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلّا هذا، و هم لم يقولوا ذلك، بل يقرّون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها، و يفهمون عن اللّه ما أفهمهم[١].
*** نعم، هناك ما يبرّر موقف الصوفيّة من هذه التأويلات، بأنّها من تفسير الباطن للقرآن وراء تفسيره الظاهريّ، مع العلم أنّ للقرآن ظهرا و بطنا، و لا يعني التفسير الباطنيّ نفي التفسير الظاهريّ، بل هما معا ثابتان جميعا، و معه لا موضع للإنكار عليهم.
قال الاستاذ حسن عبّاس زكيّ[٢] بصدد الدفاع عن مواضع الصوفيّة في تأويل القرآن:
فالمفسّرون من علماء الشريعة يقفون عند ظاهر اللفظ و ما دلّ عليه الكلام من الأمر و النهي و القَصص و الأخبار و التوحيد، و غير ذلك، و أهل التحقيق أو الصوفيّة يقرّون تفسيرهم هذا، و يرونه الأصل الذي نزل فيه القرآن. و لكنّ لهم في كلام اللّه مع الأخذ بهذا التفسير الظاهريّ مذاقات لا يمكنهم إغفالها؛ لأنّها بمثابة واردات أو هواتف من الحقّ لهم.
فلا ينبغي أن نقف القرآن على تفسير معيّن على أنّه المراد، فلا نقول كما يقول البعض: إنّ التفسير الظاهريّ وحده هو المقصود، كما لا يرى أهل التحقيق أنّ تفسيرهم وحده هو المراد؛ لأنّ القول بالتفسير الظاهريّ و حسب، تحديد لكلام اللّه غير المحدود، و إخضاع القرآن للّغة التي مقياسها العقل المحدود، و الوقوف في تفسير كلام اللّه عند العقل المحدود، عقال عن الانطلاق فيما وراء الغيوب، و إغلاق الباب لمذاقات ليس العقل مجالها؛ لأنّها لا تخضع لمقاييسه و إنّما تخضع لشيء آخر فوقه، و تدرك بلطيفة اخرى سواه، إذن فهناك ما فوق العقل ألا و هو القلب؛ فإنّ للقلب لغته كما أنّ للعقل لغته. و إذا كانت لغة العقل تدرك بالألفاظ، و يعبّر عنها بالكلمات، فلغة القلب تدرك بالذوق؛ لأنّه
[١] -. نقلًا عن الإتقان، ج ٤، ص ١٩٧.
[٢] -. وزير الاقتصاد و التجارة الخارجيّة بمصر، له تعريف بتفسير القشيريّ أثبته في مقدّمة الكتاب.