التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٠ - التأويل عند أرباب القلوب
لتفسير العارف السالك الخواجا عبد اللّه الأنصاريّ، تراه جمع بين الظاهر و الباطن كلًاّ على حدّه. يفسّر القرآن أوّلًا على نهج أهل الظاهر تفسيرا قويما، ثمّ يعرّج على تفسيره وفق مذاقات أهل الباطن، في ظرافة و لباقة كلًاّ في أحسن بيان، مقرّا بأنّ تفسير الظاهر هو الأصل، و لولاه لما أمكن استخراج الباطن الذي هو الفرع.
نعم، يرون من تفسير الباطن اللباب الخابئ تحت ذاك العُباب.
قال سهل بن عبد اللّه التستريّ- في قوله تعالى: «وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ»[١]-: يعني: شرك النفس الأمّارة بالسوء.
[٣٥/ ١] كما قال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: «الشرك في امّتي أخفى من دبيب النمل على الصفا»[٢].
قال: هذا باطن الآية. و أمّا ظاهرها فمشركو العرب يؤمنون باللّه، كما قال تعالى: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ»[٣]. و هم معذلك مشركون يؤمنون ببعض ولايؤمنون ببعض[٤].
إذن لم يخلط بين ظهر القرآن و بطنه و ذكر كلًاّ على حدّه بأمانة. على أنّ الأخذ بالبطن كان مستندا إلى النبويّ الشريف، مضافا إلى كونه الأخذ بمفهوم الآية العامّ- حسبما نبّهنا- مراعيا جانب المناسبة القريبة. فقد استجمع شرائط التأويل الصحيح.
نعم، إنّ إخضاع القرآن للّغة التي مقياسها الوضع المحدود، عقال له عن الانطلاق فيما وراء الغيوب، و إغلاق لباب الفهم الذي مقياسه العقل الرشيد مدعما بإدراكات كان مجالها ما فوق العقل ألا و هو القلب الذي لا تحدّه الحدود، لأنّه عرش استواء تجلّيات الربّ تعالى على مملكة الجسم.
[٣٦/ ١] كما جاء في الحديث القدسيّ: «لم يسعني سمائي و لا أرضي و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن»[٥] و هو القلب الذي اختصّه اللّه بالأسرار و يجب أن يستفتيه الإنسان إذا حار.
[١] -. يوسف ١٠٦: ١٢.
[٢] -. المستدرك للحاكم، ج ٢، ص ٢٩١؛ الكامل، ج ٧، ص ٢٤٠.
[٣] -. الزخرف ٨٧: ٤٣.
[٤] -. راجع: تفسير التستريّ، ص ٨٣.
[٥] -. بحار الأنوار، ج ٥٥، ص ٣٩.