التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٨ - إمام المشككين
الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»[١] و قال: «وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ»[٢] فكيف يكلّف اللّه العبيد ما لا يطيقون؟!
و في المقام الثالث، نقل عن القاضي عبد الجبّار جواب المعتزلة عن الأشاعرة، و تخطئة انقلاب العلم جهلًا و الصدق كذبا. قال الكعبيّ و أبو الحسين البصريّ: إنّ العلم تبع المعلوم، فإذا فَرَضتَ الواقع من العبد الإيمان عَرَفت أنّ الحاصل في الأزل للّه تعالى هو العلم بالإيمان، و متى فَرضتَ الواقع منه هو الكفر بدلًا عن الإيمان عرفت أنّ الحاصل في الأزل هو العلم بالكفر بدلًا عن الإيمان. فهذا فرض علم بدلًا عن علم آخر، لا أنّه تغيّر العلم. قال الإمام الرازيّ: فهذا الجواب هو الذي اعتمده جمهور المعتزلة.
قلت: و قد عرفت قوّة استدلالهم، و ضعف دلائل خصومهم، غير أنّ الإمام الرازيّ ترك وهن تلك الوجوه و قوّة هذه الدلائل بمعرض القارئ و مسمعه، ليحكم هو حسب ذهنيّته الفطريّة الحاكمة بأنّ العبد مختار في فعله. و اللّه تعالى لا يكلّف بما لا يُستطاع، الأمر الذي يجعل من دلائل أهل الاعتزال هي الكفّة الراجحة، و هذا شيء فعله الإمام الرازيّ، عن حسن نيّة و عن عمد فعله- حسب الظاهر- إذ الظاهر أنّه ليُسيء الظنّ بمذاهب أصحابه الأشعريّين.
و ممّا يدلّك على ذلك، أنّه لم يطعن في دلائل أهل الاعتزال، و ذكرها تامّة وافية، كما هي عادته في كلّ أمر يعتقده صحيحا.
*** ثمّ إنّه بعد إيراد دلائل الطرفين، أورد شبهاته في المسألة و ذكر مقالاتٍ تشكيكيّة، و أسندها إلى أهل التشكيك، ممّن فرضهم أهل العناد في مسائل الكلام.
قال: و اعلم أنّ هذا البحث صار منشأً لضلالات عظيمة، فمنها: أنّ منكري التكاليف و النبوّات قالوا: قد سمعنا كلام أهل الجبر- يعني بهم الأشاعره- فوجدناه قويّا قاطعا.
[١] -. الحجّ ٧٨: ٢٢.
[٢] -. الأعراف ١٥٧: ٧.