التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤ - ١ تفسير القرآن بالقرآن
بعضه على بعض[١]- كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام- حيث ما جاء منه مبهما في موضع منه، قد جاء مفصّلًا و مبيّنا في موضع آخر، بل و في القرآن تبيان لكلّ شيء جاء مبهما في الشريعة، فلأن يكون تبيانا لنفسه أَولى. و من ذلك جاء قولهم: «القرآن يفسّر بعضه بعضا» كلام معروف.
و تفسير القرآن بالقرآن على نمطين: منه ما أُبهم في موضع و بُيّن في موضع آخر- فكان أحدهما متناسبا مع الآخر تناسبا معنويّا أو لفظيّا- كما في قوله تعالى: «حم وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ»[٢] و قد جاء تبيين هذه الليلة المباركة بليلة القدر في سورة القدر: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»[٣] و قد بيّن في سورة البقرة أنّها واقعة في شهر رمضان: «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ»[٤].
فقد تبيّن من مجموع ذلك: أنّ القرآن نزل في ليلة مباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان.
و من ذلك أيضا قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ»[٥] ما هذه الحيلولة و كيف هي، و هو تهديد لاذع باولئك الزائفين المتمرّدين عن الشريعة و الدين.
و هذا الإبهام يرتفع عند مراجعة قوله تعالى: «وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ»[٦]. فعرفنا أنّها نسيان الذات، فالذي يجعل من شريعة اللّه وراء ظهره، إنّما حرّم نفسه و نسي حظّه، فقد تاه في غياهب ضلالة الجهل و العَمى.
و هكذا قوله تعالى: «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَ اللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ»[٧] ما هو المقصود من «الأرض» هنا في هذه الآية، و كيف يقع
[١] -. نهج البلاغة، خ ١٣٣، ص ١٩٢ صبحي صالح.
[٢] -. الدخان ١: ٤٤- ٣.
[٣] -. القدر ١: ٩٧.
[٤] -. البقرة ١٨٥: ٢.
[٥] -. الأنفال ٢٤: ٨.
[٦] -. الحشر ١٩: ٥٩.
[٧] -. الرعد ٤١: ١٣.