التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥ - ١ تفسير القرآن بالقرآن
نقصانها؟
أمّا الأرض فالمقصود منها هو العُمران منها، و ليس المراد هي الكرة الأرضيّة. و يشهد لذلك قوله تعالى بشأن المحاربين المفسدين في الأرض: «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ»[١]. فإنّ النفي من الأرض، يراد به الإبعاد عن العُمران ليظلّ حيرانا بين البراري و القفار.
أمّا كيف يقع النقصان؟ فقد فسّره الإمام أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام و كذا ولده الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام: بفقد العلماء، و أنّ عمارة الأرض سوف تزول و تندثر عند ذهاب علمائها و خيار أهلها، و هكذا ورد تفسير الآية بذلك عن ابن عبّاس[٢].
*** و من هذا النمط أيضا قوله تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا»[٣].
ما هذه الأمانة التي كان الإنسان صالحا لحملها، دون سائر المخلوق؟
فجاءت آية اخرى تفسّرها بالخلافة: «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»[٤].
ثمّ ما هذه الخلافة التي منحت للإنسان، و حُظي بها هذا المخلوق دون سائر الخلق؟
كانت آية ثالثة تفسّر الخلافة بقدرة الإبداع و إمكان التصرّف في ساحة الوجود: «أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ»[٥] «وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً»[٦] فقدرة الإنسان التسخيريّة وإمكان تصرّفه في عالم الوجود، علوّه و سُفله،
[١] -. المائدة ٣٣: ٥.
[٢] -. راجع: البرهان في تفسير القرآن للبحرانيّ، ج ٢، ص ٣٠١- ٣٠٢.
[٣] -. الأحزاب ٧٢: ٣٣.
[٤] -. البقرة ٣٠: ٢.
[٥] -. لقمان ٢٠: ٣١.
[٦] -. الجاثية ١٣: ٤٥.