التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٦ - ما ذكره المفسرون في الرعد و البرق في كتبهم
بعاقل، فضلًا عن أعقل العقلاء، الذي ما كان ينطق عن الهوى.
و أيضا فهذه التعليلات لا تتّفق هي و المقرّرات العلميّة المستقرّة الثابتة، التي أصبحت في حكم اليقينيّات اليوم. و لا ندري، كيف يكون حال الداعية إلى الإسلام اليوم في البلاد المتقدّمة في العلم و المعرفة إذا لهج بمثل هذه الأباطيل التي تضرّ بالدين أكثر ممّا ينال منه أعداؤه؟ و لو أنّ هذه المرويّات كانت في كتب معتمدة من كتب الحديث و الرواية التي تعنى بذكر الأحاديث الصحيحة و الحسنة، لكان للمنتصرين لها بعض العذر. أمّا و هي كما علمت غير معتدّ بها لضعف أسانيدها، و مخالفتها للعقل، و العلم اليقينيّ، فاضرب بها عرض الحائط و لا كرامة.
ما ذكره المفسّرون في الرعد و البرق في كتبهم
و معظم كتب التفاسير بالمأثور و غيره ذكرت: أنّ الرعد اسم ملَك يسوق السحاب، و أنّ الصوت المسموع صوت زجره السحاب، أو صوت تسبيحه، و أنّ البرق أثر من المِخراق الذي يزجر به السحاب، أو لهب ينبعث منه، على أنّ المِخراق من نار، و ذلك عند تفسير قوله تعالى: «وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ»[١] الآية، و يكاد لم يسلم من ذلك أحد منهم، إلّا أنّ منهم من يحاول أن يوفّق بين ظاهر الآية و ما قاله الفلاسفة الطبيعيّون في الرعد و البرق، فيؤوّل الآية، و منهم من يُبقي الآية على ظاهرها، و ينحي باللائمة على الفلاسفة و أضرابهم؛ الذين قاربوا أن يصلوا إلى ما وصل إليه العلماء في العصر الحديث. ففي تفسير الخازن[٢] قال أكثر المفسّرين: على أنّ الرعد اسم للملَك الذي يسوق السحاب، و الصوت المسموع منه تسبيحه، ثمّ أورد على هذا القول أنّ ما عطف عليه، و هو قوله تعالى: «وَ الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ» يقتضي أن يكون المعطوف عليه مغايرا للمعطوف، لأنّه الأصل، ثمّ أجاب: بأنّه من قبيل ذكر الخاصّ قبل العامّ تشريفا!
و قد بسّط الآلوسيّ في تفسيره- كما هي عادته- الأقوال في الآية، و ذكر أنّ للعلماء
[١] -. الرعد ١٣: ١٣.
[٢] -. تفسير الخازن لعلاء الدين البغداديّ الخازن، ج ٣، ص ٩.