التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٤ - الحق في هذه القصة
و استدرار العطف عليهم.
الحقّ في هذه القصّة
و قد دلّ كتاب اللّه الصادق، على لسان نبيّه محمّد الصادق، على أنّ اللّه تبارك و تعالى ابتلى نبيّه أيّوب عليه السلام في جسده، و أهله، و ماله، و أنّه صبر حتّى صار مضرب الأمثال في ذلك، و قد أثنى اللّه عليه هذا الثناء المستطاب، قال عزّ شأنه: «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ»، فالبلاء ممّا لا يجوز أن يشكّ فيه أبدا، و الواجب على المسلم أن يقف عند كتاب اللّه، و لا يتزيّد في القصّة كما تزيّد زنادقة أهل الكتاب، و ألصقوا بالأنبياء ما لا يليق بهم، و ليس هذا بعجيب من بني إسرائيل الذين لم يتجرّأوا على أنبياء اللّه و رسله فحسب، بل تجرّأوا على اللّه تبارك و تعالى و نالوا منه، و فحشوا عليه، و نسبوا إليه ما قامت الأدلّة العقليّة و النقليّة المتواترة على استحالته عليه سبحانه و تعالى من قولهم: «إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ»[١]، و قولهم: «يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا»[٢]، عليهم لعنة اللّه.
و الذي يجب أن نعتقده أنّه ابتُلي، و لكن بلاءه لم يصل إلى حدّ هذه الأكاذيب، من أنّه اصيب بالجذام[٣]، و أنّ جسمه أصبح قرحة، و أنّه أُلقي على كناسة بني إسرائيل، يرعى في جسده الدود، و تعبث به دوابّ بني إسرائيل، أو أنّه اصيب بمرض الجدريّ.
و أيّوب عليه السلام أكرم على اللّه من أن يُلقَى على مزبلة، و أن يصاب بمرض ينفّر الناس من دعوته، و يقزّزهم منه، و أيّ فائدة تحصل من الرسالة، و هو على هذه الحال المزريّة، التي لا يرضاها اللّه لأنبيائه و رسله؟.
و الأنبياء إنّما يبعثون من أوساط[٤] قومهم، فأين كانت عشيرته فتواريه، و تطعمه؟! بدل أن تخدم امرأته الناس، بل و تبيع ضفيرتيها في سبيل إطعامه!!
بل أين كان أتباعه، و المؤمنون منه، فهل تخلّوا عنه في بلائه؟! و كيف و الإيمان ينافي
[١] -. آل عمران ١٨١: ٣.
[٢] -. المائدة ٦٤: ٥.
[٣] -. الجذام: مرض من أخبث الأمراض و أقذرها.
[٤] -. خيارهم و أكرمهم نسبا و عشيرة.