التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٦ - ٢٢ الإسرائيليات في قصة داود عليه السلام
عند داود، فيقول: هو لك يا ربّ، فيقول: فإنّ لك في الجنّة ما شئت، و ما اشتهيت عوضا.
و قد رواها البغويّ أيضا عن طريق الثعلبيّ[١]، و الرواية منكرة مختلقة على الرسول. و في سند هذه الرواية المختلقة على رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ابن لهيعة، و هو مضعف في الحديث، و في سندها أيضا يزيد بن أبان الرقاشيّ، كان ضعيفا في الحديث.
و قال فيه النسائيّ، و الحاكم أبو أحمد: إنّه متروك، و قال فيه ابن حبّان: كان من خيار عباد اللّه، من البكّائين بالليل، غفل عن حفظ الحديث شغلًا بالعبادة، حتّى كان يقلب كلام الحسن يجعله عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، فلا تحلّ الرواية عنه إلّا على جهة التعجّب[٢].
و قال العلّامة ابن كثير في تفسيره: «و قد ذكر المفسّرون هاهنا قصّة؛ أكثرها مأخوذ من الإسرائيليّات، و لم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتّباعه، و لكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصحّ سنده؛ لأنّه من رواية يزيد الرقاشيّ، عن أنس رضى الله عنه، و يزيد و إن كان من الصالحين، لكنّه ضعيف الحديث عند الأئمّة»[٣].
و من ثمّ يتبيّن لنا كذب رفع هذه الرواية المنكرة إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، و لا نكاد نصدّق ورود هذا عن المعصوم، و إنّما هي اختلاقات، و أكاذيب من إسرائيليّات أهل الكتاب، و هل يشكّ مؤمن عاقل يقرّ بعصمة الأنبياء، في استحالة صدور هذا عن داود عليه السلام، ثمّ يكون على لسان مَن؟ على لسان مَن كان حريصا على تنزيه إخوانه الأنبياء عمّا لا يليق بعصمتهم، و هو نبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله و سلم و مثل هذا التدبير السيّئ، و الاسترسال فيه على ما رووا، لو صدر من رجل من سوقة الناس و عامّتهم، لاعتبر هذا أمرا مستهجنا مستقبحا، فكيف يصدر من رسول جاء لهداية الناس، زكت نفسه، و طهرت سريرته، و عصمه اللّه من الفواحش ما ظهر منها و ما بطن، و هو الاسوة الحسنة لمن ارسل إليهم؟!!
و لو أنّ القصّة كانت صحيحة لذهبت بعصمة داود، و لنفرت منه الناس، و لكان لهم العذر في عدم الإيمان به، فلا يحصل المقصد الذي من أجله ارسل الرسل، و كيف يكون
[١] -. تفسير البغويّ، ج ٤، ص ٥٨- ٦٤.؛ الدرّ المنثور، ج ٥، ص ٣٠٠- ٣٠١.
[٢] -. تهذيب التهذيب، ج ١١، ص ٣٠٩.
[٣] -. تفسير ابن كثير، ج ٤، ص ٣١.