التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤٠ - سورة البقرة(٢) آية ٢٨٦
و اليقين بيوم الحساب.
هذه العقيدة اللّائقة بأن تكون ختام العقائد و آخر الرسالات.
*** ثمّ إنّ هذه العقيدة، في الوقت الّذي ترفع بالإنسان عن البهيميّة و تجعله ذا مسئوليّة، و تفرض عليه تكاليف متناسقة مع طاقاته بلا مشقّة و لا إعنات، و متناسبة مع حاجات الجسد و العقل و الروح في تناسق يمثّل الفطرة الّتي فطر الإنسان عليها، كما و تحمّل الإنسان تبعة اختياره للطريق الّذي يختار: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ. و هكذا يتحكّم العدل في التكليف، و في تحمّل تبعة الاختيار في السلوك. وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها. فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها[١].
وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى. وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى. ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى[٢].
*** نعم، تلك ظاهرة دينيّة يلمسها كلّ من تعمّق في أصول الديانات و أن لا تكليف فوق الطاقات، و أنّ الجميع مسئولون عن سلوكهم فيما يختارونه من طريق.
و كأنّ المؤمنين وعوا هذه الحقيقة و أدركوها حقّ إدراك، فها هو ذا ينطلق من قلوبهم دعاء خائف واجف: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا نسيانا و خطأ عن قصور أحيانا، الأمر الّذي قد يستوجب المؤاخذة عليه.
لكنّ الإنسان إنسان قد تعتريه غفوة و غفلة، فيستوجب عفوا و مغفرة.
رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً تكليفا شاقّا، عقوبة على ما قد يفرط منّا غفوة، كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا على أثر شقاقهم و تفريطهم في جنب اللّه.
و هذا يعني: أن يعصمهم اللّه من اقتراف ما يستوجب الشقاء، فلا يتفرّطوا فيما تفرّطوا فيه.
رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ من العقوبات و البلايا و الفتن و المحن غير المستطاعة[٣].
[١] الشمس ٩١: ٧- ١٠.
[٢] النجم ٥٣: ٣٩- ٤١.
[٣] المنار ٣: ١٥١.