التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٤ - وقفة عند قوله تعالى فصرهن إليك
قال: و ما صرف جمهور المتقدّمين عن هذا المعنى، على وضوحه إلّا الرواية بأنّه جاء بأربعة طيور من جنس كذا و كذا، و قطّعها و فرّقها على جبال الدنيا، ثمّ دعاها، فطار كلّ جزء إلى مناسبه حتّى كانت طيورا تسرع إليه. فأرادوا تطبيق الآية على هذا و لو بالتكلّف!
و أمّا المتأخرون فهمّهم أن يكون في الكلام خصائص للأنبياء من الخوارق الكونيّة، و إن كان المقام مقام العلم و البيان و الإخراج من الظلمات إلى النور، و هذا هو أكبر الآيات.
نعم، إنّ لكلّ أهل زمن غرام في شيء من الأشياء، يتحكّم في عقولهم و أفهامهم! و الواجب على من يريد فهم كتاب اللّه تعالى أن يتجرّد من التأثّر بكلّ ما هو خارج عنه، فإنّه الحاكم على كلّ شيء، و لا يحكم عليه شيء.
قال: و للّه درّ أبي مسلم، ما أدقّ فهمه و أشدّ استقلاله فيه![١].
وقفة عند قوله تعالى: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
اختلف أهل التفسير في معنى فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، فالمشهور عن القدامى أنّه بمعنى «فقطّعهنّ»، و يكون في الكلام تقديم و تأخير، أي خذ إليك أربعة من الطير فصرهنّ لتكون «إلى» متعلّقة بخذ!
غير أنّ هذا المعنى للفظة «صار يصور» غريب عن متفاهم أهل اللغة و لم يذكر أحد أنّ اللفظة جاءت بهذا المعنى و إنّما هو شيء أحدثه أهل التفسير، من غير ما شاهد عليه من لغة العرب.
و من ثمّ لجئوا إلى نسبة الكلمة إلى لغات أخرى و أنّها أعجميّة؛ فتارة: أنّها نبطيّة[٢]. و أخرى:
أنّها روميّة[٣]. و ثالثة: أنّها حبشيّة[٤] و أمثال ذلك؛ حسبما يأتي.
و سوف نناقش هذا الرأي بأنّ التصريف الثلاثي في الكلمة[٥] دليل على أصالتها في العربيّة،
[١] تفسير المنار ٣: ٥٥- ٥٨.
[٢] الطبري ٣: ٧٨، عن عكرمة. و النبط قبائل عربيّة بائدة كانت تسكن جنوب فلسطين إلى جوار البيزنطيين، فامتزجت لغتهم بلغة الأجانب. قضى عليهم الإمبراطور ترايانس ١٠٦ ق. م.
[٣] الدرّ ٢: ٣٥، عن وهب.
[٤] المصدر، عن قتادة.
[٥] بأن تتصرّف في حالة كونها ثلاثيّة البناء: صار يصور صورا، الأمر الّذي يخصّ العربيّات المحض.