التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٢ - سورة البقرة(٢) آية ٢٦٧
يدعوا: «اللّهمّ اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سنّي و انقطاع عمري»[١].
*** و بعد، فيمضي السياق خطوة أخرى في دستور الصدقة، تبيينا لنوعها الصالح للإنفاق في سبيل اللّه. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَ مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.
نعم إذا كانت الصدقات إنفاقا في سبيل اللّه، و عملا صالحا يقدّمه العباد إلى ساحة المولى الكريم، فأجدر به أن يكون من أحسنه و من أجود المال و أطيبه. حيث مقتضى الكرامة أن يكون الجود بأفضل الموجود: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[٢].
و لا يليق بكرامة الباذل أن يعمد في بذله إلى خبيث المال و رديئه، فيقدّمه إلى مولاه الكريم.
وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ.
تيمّم الشيء: توخّاه و تعمّده. و الخبيث: الرديء المستكره.
أي و لا تعمدوا إلى رديء المال و مستكرهه عندكم، لتبذلوه في سبيل اللّه. فقد كنتم تعافونه إذا قدّم إليكم، فكيف لا تعافون تقديمه إلى مولاكم؟! فلو كان قد قدّم إليكم في صفقة (بيعة) ما قبلتموه، بل رفضتموه، لمكان رداءته. إلّا إذا انتقص من ثمنه بإزاء موضع رداءته. فتغمضوا في قبوله أي تساهلون فيه.
فمال هكذا شأنه، بحيث لا يتبادل إلّا في إغماض و تساهل، عمّا فيه من العيب و الرداءة، فكيف تعمدون إلى إنفاقه و الصدقة به على الفقير المعوز، الّذي هو مرغم على القبول، لمكان فقره و حاجته، و هذا استغلال لفرصة غير حميدة. بل و تحقير بذيء لصاحب الحاجة الّذي قصدك أن تسمح له ممّا أنعم اللّه عليك، و في سبيل رضاه تعالى! و اللّه الّذي أغناك هو أولى بأن يسخط عليك و يسلبك نعمته.
[١] الدرّ ٢: ٤٩؛ الأوسط ٤: ٦٢/ ٣٦١١؛ الحاكم ١: ٥٤٢، كتاب الدعاء؛ مجمع الزوائد ١٠: ١٨٢، كتاب الأدعية، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط و إسناده حسن؛ ابن كثير ١: ٣٢٧، و فيه« و انقضاء» بدل قوله:« و انقطاع»؛ كنز العمّال ٢: ١٨٨/ ٣٦٨٢.
[٢] آل عمران ٣: ٩٢.