التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٩ - سورة البقرة(٢) آية ٢٦٤
و لأنّ الصدقة- في واقعها- ليست تفضّلا من المانح على الآخذ، إنّما هي قرض للّه. عقّب على هذا بقوله: وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ غنيّ عن الصدقة المؤذية، حليم عن فرطاتكم في جنب اللّه، فلم تراعوا حريمه حقّ رعايته، و لكنّ اللّه غفور رحيم.
قوله: وَ مَغْفِرَةٌ يراد بها التجاوز عن الإساءة، فيما إذا تجاسر السائل أو ألحّ في سؤاله أو جفا بحقّ المسئول، كأن يقول: أعطني حقّ اللّه الّذي منحك، أو امنحني حقّي الّذي فرضه اللّه في أموالك، و نحو ذلك من التعابير الّتي قد يثير غضب المتصدّق فيقابله بالجفاء و الردّ، و قد قال تعالى:
وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ[١] مهما جفاك في السؤال و الإلحاح.
فإن لم يكن لديه ما يقضي به حاجة السائل المحتاج و كان قد ألحّ عليه، فليكن ردّه برفق، و يرفقه بالاستغفار له قائلا: ليس عندي ما أسدّ به فقرتك، فاذهب يرحمك اللّه و يغفر لك.
[٢/ ٧٦٥٨] و أخرج ابن المنذر عن الضحّاك في قوله: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ الآية. قال: ردّ جميل؛ يقول: يرحمك اللّه يرزقك اللّه، و لا ينتهره و لا يغلظ له القول[٢].
[٢/ ٧٦٥٩] و عن بشر بن الحرث قال: رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في المنام فقلت: يا أمير المؤمنين، تقول شيئا لعلّ اللّه ينفعني به! فقال: «ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء رغبة في ثواب اللّه، و أحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بموعود اللّه- عزّ و جلّ-». فقلت: يا أمير المؤمنين زدني، فولّى و هو يقول:
|
قد كنت ميتا فصرت حيّا |
و عن قليل تصير ميتا |
|
|
فاضرب بدار الفناء بيتا |
و ابن بدار البقاء بيتا[٣] |
|
*** هذا، و بعد استعراض مشهد الحياة النامية الواهبة مثلا للّذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه، دون أن يتبعوا ما أنفقوا منّا و لا أذى، و بعد التلويح بأنّ اللّه غنيّ عن ذلك النوع المؤذي من الصدقة و أنّه تعالى هو الواهب الرازق، و لا يعجل بالغضب.
[١] الضحى ٩٣: ١٠.
[٢] الدرّ ٢: ٤٣.
[٣] الثعلبي ٢: ٢٦١؛ تاريخ بغداد ٩: ٤٣٢؛ القرطبي ٣: ٣١٠.