التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٠ - سورة البقرة(٢) آية ٢٧٠
قوله تعالى: وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ثمّ يعود السياق إلى بيان موضع الصدقة في واقعها و مدى تأثيرها في النفس و في الحياة العامّة، يذكر ذلك في مواقف.
و النفقة تشمل سائر ما يصرفه صاحب المال، في مصالحه أو مصالح العامّة، فمنها ما يتطوّع به، و منها ما يتعهّده على نفسه بنذر و شبهه، فضلا عمّا يجب عليه في التكليف.
و النذر نوع من أنواع النفقة، يوجبه المنفق على نفسه مقدّرا بقدر معلوم، و لا يكون إلّا للّه و لوجهه الكريم، و لا ينعقد لغيره تعالى أيّا كان، إلّا إذا أريد مصرفه، بأن ينذر للّه أن يطعم مسكينا أو يكسي عاريا، أو ما يكون فيه الرفاه العام، فلا يقصد بنذره سوى اللّه و ابتغاء مرضاته، و عن نيّة صادقة، لا يعلمه إلّا اللّه.
و شعور المؤمن بأنّ عين اللّه- سبحانه- على نيّته و ضميره، و على حركته و عمله، يثير في حسّه مشاعر حيّة متنوّعة، شعور التقوى و التحرّج أن يهجس في خاطره هاجس رياء و سمعة أو تظاهر بكبرياء، و هاجس شحّ أو بخل. و هاجس خوف من الفقر أو الغبن.
و هكذا يثير في خلده شعور الطمأنينة على الجزاء و الثقة بالوفاء، و شعور الرضى و الراحة بما وفى للّه و قام بشكر نعمته عليه بهذا الإنفاق ممّا أعطاه.
فأمّا الّذي لا يقوم بحقّ النعمة و لا يشكرها. و الّذي لا يؤدّي الحقّ للّه و لعباده، و الّذي يمنع الخير بعد ما أعطاه اللّه، فهو ظالم: ظالم للعهد، ظالم لنفسه، ظالم للناس جميعا. وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ.
فالوفاء عدل و قسط، و الجفاء ظلم و جور، و الناكث لعهد اللّه ظالم. و من ثمّ فقد خرج عن حمى اللّه و دخل في حمى الشيطان. و قد كان كيد الشيطان ضعيفا.
إذن فالناكث لعهد اللّه افتقد الملجأ الوثيق و ماله من أنصار.
*** و هنا بشأن الظالم- أيّا كان ظلمه- أحاديث قد تسترعى الانتباه و التوجّه لها:
[٢/ ٧٧٦٢] أخرج الطبراني عن ابن مسعود أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «لا تظلموا فتدعوا فلا يستجاب لكم، و تستسقوا فلا تسقوا، و تستنصروا فلا تنصروا»[١].
[١] الدرّ ٢: ٧٥؛ مجمع الزوائد ٥: ٢٣٥، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط.