التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٥ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٤٦ الى ٢٥٢
قوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ و بعد أن عزم طالوت على مجاهدة العدوّ، و أخذ بجنوده في المسير إليهم، أراد أن يختبر جنوده، الصادقين منهم الثابتين على اليقين و على العهد معه و مثابرتهم أمام الصدمات و الشدائد الّتي كانت تنتظرهم، فاقترح أن يمنعهم من شرب الماء من نهر الأردن و هم على ضافّته، شربا نهما، إلّا من اغترف غرفة بيده، لكنّ الأكثر أبوا إلّا الشرب الوافي، و بذلك بدأ ضعف قدرتهم الإيمانيّة.
قالوا: إنّ طالوت لمّا علم أنّه سائر بهم إلى عدوّ كثير العدد و قويّ العهد، أراد أن يختبر قوّة يقينهم في نصرة الدين، و مخاطرتهم بأنفسهم و تحمّلهم المتاعب، و عزيمة معاكستهم نفوسهم، فقال لهم: إنّكم ستمرّون على نهر- و هو نهر الأردن- فلا تشربوا منه، فمن شرب فليس منّي. و رخّص لهم في غرفة يغترفها الواحد بيده يبلّ بها ريقه. و هذا غاية ما يختبر به طاعة الجيش، فإنّ السير في الحرب يعطش الجيش، فإذا وردوا الماء توافرت دواعيهم إلى الشرب منه عطشا و شهوة.
و يحتمل أنّه أراد إبقاء نشاطهم؛ لأنّ المحارب إذا شرب ماء كثيرا بعد التعب، انحلّت عراه و مال إلى الراحة، و أثقله الماء. و العرب تعرف ذلك، قال طفيل يذكر خيلهم:
|
فلمّا شارفت أعلام طيّ |
و طيّ في المغار و في الشعاب |
|
|
سقيناهنّ من سهل الأداوي |
فمصطبح على عجل و آبي |
|
يريد: أنّ الجلد الّذي مارس الحرب مرارا لا يشرب؛ لأنّه لا يسأم من الركض و الجهد، فإذا كان حاجزا كان أخفّ له و أسرع.
و الغرّ[١] منهم يشرب، لجهله لما يراد منه، و لأجل هذا رخّص لهم في اغتراف غرفة واحدة.
قوله: فَلَيْسَ مِنِّي أي ليس ممّن تبعني عن صدق و إيمان.
قوله: وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ ... أي لم يذقه، هو من الطّعم- بفتح الطاء- و هو الذوق حيث أريد اختبار المطعوم، ملوحته أو حلاوته، ثمّ توسّع فيه فأطلق على اختبار المشروب، كما قال الحارث بن خالد المخزومي[٢]:
[١] الغرّ: الشابّ لا خبرة له.
[٢] هو شاعر جاهليّ قتل يوم بدر.