التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٧ - التجربة الثالثة
تلك جلّ نسائج القوم، نسجتها قرائح غائرة، خلطت الغثّ بالسمين، و خبطت خبط عشواء، ففيها التناقض و التهافت، و النكارة الفاضحة، في أكثر فقراتها. الأمر الّذي يأبى صدورها من ذي لبّ حكيم، فضلا عن أمثال ذلكم الأعلام النبلاء، و حاشاهم أن يتفوّهوا بمثل تلكم الخبطات!!
التجربة الثالثة
و هكذا يمضي السياق إلى عرض التجربة الثالثة: تجربة إبراهيم، الّتي قام بها أبو الأنبياء و أقربهم إلى أصحاب هذا القرآن: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
إنّه التشوّف إلى ملابسة سرّ الصنعة الإلهيّة، إنّه تشوّف لا يتعلّق بوجود الإيمان و ثباته و كماله و استقراره، و ليس طلبا للبرهان أو تقوية لليقين و الإيمان، إنّما هو أمر آخر، له مذاق آخر، إنّه تشوّق روحي إلى ملابسة السرّ الإلهي، في أثناء وقوعه العملي و مذاق هذه التجربة في الكيان البشري مذاق يمسّ صميم ذاته، فليس العلم الحاصل بالبرهان كاليقين الحاصل بمشاهدة عيان، الأمر الّذي يبتهج إليه النفس و يتروّح له الصدر و يطمئنّ إليه القلب.
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى سؤال عن الكيفيّة بعد الإذعان القاطع بضرورة إحيائه تعالى للأموات للبعث و النشور.
قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ. لقد كان إبراهيم ينشد اطمئنان الأنس إلى رؤية يد اللّه تعمل، و اطمئنان التذوّق للسرّ المحجّب و هو يجلّي و يتكشّف، و لقد كان اللّه يعلم إيمان عبده و خليله. و لكنّه سؤال الكشف و البيان، و التعريف بهذا الشوق و إعلانه، و التلطّف من السيّد الكريم الودود الرحيم، مع عبده الأوّاه الحليم المنيب!
فمعنى قوله: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ: أو لم يكف في يقينك صريح الوحي و جلاء البرهان؟!
قالَ بَلى أي فيه الكفاية و الكمال لحصول اليقين و صدق الإيمان، وَ لكِنْ تاقت نفسي للخبر و الوقوف على كيفيّة هذا السرّ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بالعيان بعد خبر الوحي و وضوح البرهان.