التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٤ - سورة البقرة(٢) آية ٢٧٣
بل المقصود التنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافا! مثاله: ما إذا حضر عندك رجلان، أحدهما عاقل وقور ثابت، و الآخر طائش مهذار سفيه، فإذا أردت أن تمدح أحدهما و تعرّض بذمّ الآخر، قلت: فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام، لا يخوض في التّرّهات و لا يسرح في السّفاهات.
و لم يكن غرضك من قولك: «لا يخوض في التّرّهات و السّفاهات» وصفه بذلك، لأنّ ما تقدّم من الأوصاف الحسنة يغني عن ذلك، بل غرضك التنبيه على مذمّة الثاني الّذي يأخذ في ترّهات الكلام.
و كذا هاهنا قوله: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً بعد قوله: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، الغرض منه التعريض بمن يسأل الناس و يلحف في مسألته، لتبيّن الفرق البائن بين الجنسين، ليستحقّ أحدهما المدح و الآخر الذمّ[١].
[٢/ ٧٨٠٢] أخرج ابن أبي حاتم عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ليس المسكين بالطوّاف الّذي ترده اللقمة و اللقمتان و التمرة و التمرتان، و لكن المسكين الّذي يتعفّف و لا يجد ما يغنيه، و يستحي أن يسأل الناس، و لا يفطن له فيتصدّق عليه»[٢].
[٢/ ٧٨٠٣] و أخرج ابن جرير عن أبي سعيد الخدري، قال: أعوزنا مرّة، فقيل لي: لو أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فسألته! فانطلقت إليه معتفيا[٣]، فكان أوّل ما واجهني به: «من استعفّ أعفّه اللّه، و من استغنى أغناه اللّه، و من سألنا لم ندّخر عنه شيئا نجده». قال: فراجعت نفسي و قلت: أ لا أستعفّ فيعفّني اللّه! فرجعت فما سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شيئا بعد ذلك من أمر حاجة حتّى مالت علينا الدنيا، فغرقتنا إلّا من عصم اللّه[٤].
[١] التفسير الكبير ٧: ٨١.
[٢] الدرّ ٢: ٩١؛ ابن أبي حاتم ٢: ٥٤١/ ٢٨٧٥؛ ابن كثير ١: ٣٣٢؛ الثعلبي ٢: ٢٧٨/ ١٩٩؛ البغوي ١: ٣٧٨/ ٣٢١؛ مسند أحمد ١: ٣٨٤ و ٤٤٦ و ٢: ٥٠٥- ٥٠٦؛ مجمع الزوائد ٣: ٩٢، باب في المسكين، قال الهيثمي: رواه أحمد و رجاله رجال الصحيح؛ البخاري ٥: ١٦٤، كتاب التفسير، عن أبي هريرة؛ مسلم ٣: ٩٥- ٩٦ كتاب الزكاة، عن أبي هريرة؛ أبو داود ١:
٣٦٨/ ١٦٣١ باب ٢٤، عن أبي هريرة؛ النسائي ٦: ٣٠٦/ ١١٠٥٣، كتاب التفسير عن أبي هريرة؛ القرطبي ٣: ٣٤٢.
[٣] اعتفى فلانا: أتاه يطلب معروفه.
[٤] الطبري ٣: ١٣٦- ١٣٧/ ٤٨٧٦؛ الثعلبي ٢: ٢٧٨؛ أبو الفتوح ٤: ٩٢؛ أبو يعلى ٢: ٤٥٥- ٤٥٦/ ٢٩٣- ١٢٦٧.