التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٦ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٦١ الى ٢٧٤
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.
و هذا الدستور لا يبدأ بالفرض و التكليف، إنّما يبدأ بالحضّ و التأليف. و يستعرض صورة بهيجة من عمل كانت غايته رضى اللّه- سبحانه- آخذة في التصاعد إلى قمم الكمال.
إنّه يعرض صورة من صور الحياة النابضة النامية المعطية الواهبة: صورة الزرع! هبة الأرض أو هبة اللّه! الزرع الّذي يعطي أضعاف ما يأخذ، و يهب غلّاته مضاعفة بالقياس إلى بذوره. يعرض هذه الصورة الموحية مثلا للّذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل، في كلّ سنبلة مائة حبّة، فذاك بسبعمائة، لكنّه من هبة الأرض المحدودة، و المثال قاصر عن إفادة مدى الأثر الّذي يخلفه الإنفاق في طاعة اللّه. و من ثمّ عقّبه بقوله: وَ اللَّهُ واسِعٌ سعة لا نهائيّة عَلِيمٌ بما بذره الباذر الباذل في سبيل رضاه.
فاللّه- تعالى- واسع لا يضيق عطاؤه و لا يكفّ و لا ينضب. عليم بالنوايا، و يثيب عليها، و لا تخفى عليه خافية.
*** و لكن أيّ إنفاق هذا الّذي ينمو و يربو؟ و أيّ عطاء هذا الّذي يضاعفه اللّه في الدنيا و الآخرة لمن يشاء؟
إنّه الإنفاق الّذي يرفع المشاعر الإنسانيّة و لا يشوبها، الإنفاق الّذي لا يخدش شعورا و لا يحطّ كرامة، الإنفاق الّذي ينبعث عن سماحة و نقاء، و يتّجه إلى اللّه وحده ابتغاء رضاه.
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.
و المنّ عنصر كريه لئيم، و شعور خسيس هابط. فالنفس البشريّة لا تمنّ بما سمحت إلّا إذا أعطت رغبة في الاستعلاء الكاذب، أو رغبة في إذلال الآخذ، أو رغبة في إلفات أنظار الناس.
فالتوجّه إذن للناس لا للّه بالعطاء. الأمر الّذي لا تجيش في قلب طيّب، و لا يخطر كذلك في قلب مؤمن نزيه.
و قد ثبت عند علماء النفس بأنّ المنّ في الإحسان قد يسبّب ردّ فعل طبيعي في النفس