التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٥ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٦١ الى ٢٧٤
فإذا كانت التجارب الثلاث الماضية دروسا حول إنشاء قواعد التصوّر الإيماني و إيضاح هذا التصوّر و تعميق جذوره في نواح شتّى، و كان محطّا في خطّ السورة الطويلة الّتي تعالج إعداد الجماعة المسلمة للنهوض بتكاليف دورها في قيادة البشريّة، فمنذ الآن- و نحن نقترب إلى نهاية السورة- يتعرّض السياق لإقامة قواعد النظام الاقتصادي الاجتماعي الّذي يريد الإسلام أن يقوم عليها المجتمع المسلم، و أن تنظّم بها حياة الجماعة المسلمة.
إنّه نظام التكافل و التعاون و التراحم و التعاطف، الممثّل في الزكاة المفروضة، و الصدقات المندوب إليها، و سائر ما تتمثّل فيه روح هذا التعاطف و التكافل الجماعي. و ليس النظام الربوي الاستثماري الّذي كان حاكما على الجاهليّة الأولى، و لا تزال سائدة على الأوضاع الاجتماعيّة الراهنة في أكثر المجتمعات المختلعة عن معالم الإنسانيّة الكريمة.
و من ثمّ يتحدّث عن آداب الإنفاق في سبيل اللّه، و شرائط إخلاصه المتناسب مع كرامة الإنسان و عواطفه النبيلة. و يمقت كارثة الربا و آثارها السيّئة المهدّدة لسلامة الاقتصاد العامّ.
و هكذا يقرّر أحكام الدين و التجارة في الدروس الآتية في السورة. و هي تكوّن في مجموعها جانبا أساسيّا من نظام الاقتصاد الإسلامي العادل، و الحياة الاجتماعيّة السليمة الّتي تقوم عليه.
و بين هذه الدروس الثلاثة الآتية، صلة وثيقة، فهي ذات موضوع واحد متشعّب الأطراف، موضوع النظام الاقتصادي الإسلامي القويم.
و في هذا الدرس نجد الحديث عن وظيفة البذل و الإنفاق و دستور الصدقة و التكافل، و يرسم السياق في تفصيل و إسهاب؛ يرسم هذا الدستور مظلّلا بظلال أليفة رفيقة تبثّ روح العطف و الحنان و التوادّ و التراحم. و ترفع بالإنسانيّة إلى مستوى كريم، المعطي فيه و الآخذ على سواء.
و الآن نواجه النصّ القرآني في هذا الدرس: