التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٧ - سورة البقرة(٢) آية ٢٦٦
الندى. و كذلك السدّي، قال: أمّا الطلّ فالندى[١].
*** و هناك مشهد آخر يمثّل مغبّة كفران النعم، و سوء عاقبة من لا يجعل اللّه نصب عينيه و يغفل التكلان عليه في أموره كلّها، الكبار منها و الصغار. فهذا لا يضمن له الفلاح، ما دام على غفلته و عماه.
و هكذا تنمحق آثار الصدقة- من المرائي المعجب بنفسه- محقا، في وقت لا يملك صاحبها قوّة و لا عونا، و لا يستطيع لذلك المحق ردّا.
و هذا المشهد تمثيل لهذه النهاية البائسة، في صورة موحية عنيفة الإيحاء. كلّ ما فيها عاصف بعد أمن و رخاء.
يقول تعالى- في صورة استفهام استنكار تحذير-: أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَ أَصابَهُ الْكِبَرُ وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ.
نعم، إنّ هذه الصدقة- الّتي يصحبها منّ و أذى، و الّتي لا يعود لصاحبها بعائدة، و يخيب آماله فيها في نهاية المطاف- هذه الصدقة في أصلها و في آثارها تمثّل في عالم المحسوسات:
جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ و الجنّة: حديقة ذات شجر ملتفّ. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، تجري خلالها و تحت أظلّة أشجارها. لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ من كلّ أنواع الثمار.
إنّها روضة بهيجة، ظليلة وارفة مخصبة مثمرة.
و كذلك الصدقة في طبيعتها و في آثارها، كذلك هي في حياة المعطي و في حياة الآخذ، و في حياة الجماعة المسلمة، هي ذات روح و ظلّ وارف، و ذات خير و بركة يعمّ نفعها الجميع.
[١] الدرّ ٢: ٤٦؛ الطبري ٣: ١٠١/ ٤٧٦١ و ٤٧٦٢؛ القرطبي ٣: ٣١٧، عن مجاهد؛ ابن أبي حاتم ٢: ٥٢١/ ٢٧٦٦، عن مجاهد، و زاد: و روي عن عكرمة و قتادة و عطاء الخراساني و مقاتل بن حيّان و الضحّاك و السدّي و الربيع بن أنس نحو ذلك؛ البخاري ٥: ١٦٢، غير منسوب، بلفظ:« الطلّ» الندى، و هذا مثل عمل المؤمن؛ عبد الرزّاق ١: ٣٧٠/ ٣٤١؛ الثعلبي ٢: ٢٦٥؛ البغوي ١: ٣٦٣.