التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٨ - سورة البقرة(٢) آية ٢٦٦
فمن ذا الّذي يودّ أن تكون له هذه الجنّة- أو هذه الحسنة- ثمّ يرسل عليه شواظا من نار المنّ و الأذى، ليمحقها محقا، كما يمحق الجنّة الإعصار فيه نار ... و متى؟
في أشدّ ساعاته عجزا عن إنقاذها، و حاجة إلى ظلّها و نعمائها! وَ أَصابَهُ الْكِبَرُ التطاعن في السنّ. وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ صغار قصّر، يعجزون عن مساعدته على الإنقاذ. فَأَصابَها إِعْصارٌ زوبعة، و هي ريح شديدة تقلع الشجر و النبات. فِيهِ نارٌ حرارة شديدة. و هي المسمّاة عندهم بريح السموم. فَاحْتَرَقَتْ الجنّة بكاملتها، و انقلبت تلّ رماد. و هذه غاية اليأس بعد الأمل.
و بعد، فمن ذا الّذي يودّ هذا؟! و من ذا الّذي يفكّر في مثل هذا المصير، ثمّ لا يتّقيه؟!
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ دلائله الواضحات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في اتّخاذ السبيل؛ إمّا راشدا مرضيّا، يعيش في سعادة و هناء، أو خائبا تائها في حسراته آيسا من الحياة.
قوله تعالى: فَأَصابَها إِعْصارٌ [٢/ ٧٦٨١] أخرج الطستي في مسائله عن ابن عبّاس، أنّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى:
إِعْصارٌ قال: الريح الشديدة. قال: و هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أ ما سمعت قول الشاعر:
|
فله في آثارهنّ خوار |
و حفيف، كأنّه إعصار[١] |
|
[٢/ ٧٦٨٢] و أخرج الفريابي و عبد بن حميد و أبو يعلى و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الحاكم و صحّحه من طرق، عن ابن عبّاس في قوله: إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ قال: ريح فيها سموم شديدة[٢].
و هكذا روي عن قتادة[٣].
[٢/ ٧٦٨٣] و من الغريب ما روي عن الضحّاك: فسّر الإعصار بريح فيها برد[٤].
[١] الدرّ ٢: ٤٩. و الحفيف: صوت يخرج من الحيّة أو الشجرة.
[٢] الدرّ ٢: ٤٩؛ أبو يعلى ٥: ٧٣/ ٢٦٦٦، بلفظ:« قال: الإعصار الريح الشديد»؛ الطبري ٣: ١٠٩/ ٤٧٨٢؛ ابن أبي حاتم ٢: ٥٢٤/ ٢٧٨١، و زاد: و روي عن السدّي و مجاهد و الربيع بن أنس نحو ذلك؛ الحاكم ٢: ٢٨٣، كتاب التفسير؛ القرطبي ٣: ٣١٩؛ مجمع الزوائد ٦: ٣٢٣، كتاب التفسير.
[٣] الطبري ٣: ١١٠/ ٤٧٨٧؛ عبد الرزّاق ١: ٣٧٠/ ٣٤٢.
[٤] الطبري ٣: ١١٠/ ٤٧٩١.