التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٢ - سورة البقرة(٢) آية ٢٧٣
قال: و في الآية ما يدلّ عليه، و هو قوله: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ في المسألة! و لو كانوا يسألون لم يكن يحسبهم الجاهل أغنياء، لأنّ السؤال في الظاهر يدلّ على الفقر، و كذا قوله:
تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ؛ و لو سألوا لعرفوا بالسؤال.
قالوا: و إنّما هو كقولك: ما رأيت مثله، و أنت لم ترد أنّ له مثلا ما رأيته، و إنّما تريد أنّه ليس له مثل فيرى. فمعناه: لم يكن سؤال فيكون إلحاح. كقول الأعشى:
|
لا يغمز الساق من أين و من نصب |
و لا يعضّ على شرسوفه الصّفر |
|
أي ليس بساقه أين و لا نصب- و هو التعب و الإعياء- فيغمزها من أجلهما. و الشّرسوف: رأس الأضلاع، و الصّفر: داء للبطن، أي ليس له صفر ليعضّ على أضلاعه وجعا.
و مثله قول النابغة:
|
يحفّه جانبا نيق و يتبعه |
مثل الزّجاجة لم تكحل من الرمد[١] |
|
أي ليس بها رمد فيكتحل له[٢].
و قال أبو جعفر الطبري: فإن قال قائل: أ فكان هؤلاء القوم يسألون الناس غير إلحاف؟ قيل:
غير جائز أن يكون كانوا يسألون الناس شيئا على وجه الصدقة إلحافا و غير إلحاف! و ذلك أنّ اللّه وصفهم بأنّهم كانوا أهل تعفّف، و أنّهم إنّما كانوا يعرفون بسيماهم، فلو كانت المسألة من شأنهم لم تكن صفتهم التعفّف، و لعرفوا بذلك قبل دلالة السيماء.
قال: فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت، فما وجه قوله: يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً و هم لا يسألون إطلاقا؟
[١] الضمير يعود إلى سرب الحمام. و النيق: أرفع موضع من الجبل. يعني: يطير سرب الحمام بين قمم الجبال، و تتبعها- أي تنظر إليها- عين مثل الزجاجة، يصف فتاة كان تعدّ سرب الحمام حين طيرانها.
[٢] مجمع البيان ٢: ٢٠٣، و ١: ٤٧٨.