التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠١ - سورة البقرة(٢) آية ٢٨٢
و التداين من أعظم أسباب رواج المعاملات و بثّ روح العمل و التنمية في الاقتصاد العامّ. فإنّ المقتدر على تنمية المال قد يعوزه رأس المال، فيضطرّ إلى التداين ليظهر مواهبه في التجارة أو الصناعة أو الزراعة. كما أنّ صاحب المال قد ينضب لديه المال فيتعطّل نشاطه، فيحتاج إلى التداين لسدّ ثغرته و استمراره في العمل الجادّ. و هكذا يعمل التداين في تنشيط عوامل تنمية الاقتصاد.
و الخطاب في الآية موجّه إلى عامّة المسلمين، حيث ضرورة حياتهم الاقتصاديّة إلى التداين، بعضهم من بعض، فالمعوز يتداين من المثري فضل ماله، و هذا يتداين إذا قصر ماله للإنتاج و العمل المثمر، و هكذا يتعاضد المسلمون بعضهم من بعض، و ينشط العمل النافع و يزدهر الاقتصاد في أنحاء البلاد.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى تتقدّر بالتعيين لئلّا يقع التشاجر فيما بعد فَاكْتُبُوهُ سجّلوه على الوثائق الرسميّة، تأكيدا في التوثيق. وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ. هذا هو المبدأ العامّ الّذي يريد تقريره، فالكتابة أمر مفروض بالنصّ، فرضا إرشاديّا دون توقّع اختلاف بينكم.
و من ثمّ: وَ لا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ أي كما أراده اللّه من العدل بين الطرفين فلا يميل في كتابته مع أحد الطرفين و لا ينقص و لا يزيد، مع كمال الاحتياط و تمام الضبط.
وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ و هو المدين، يملل على الكاتب اعترافه بالدين و مقدار الدين و شرطه و أجله، بتمام و كمال. وَ لا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً لا ينقص منه شيئا، لا في مقدار الدين و لا في أجله أو ما اشترط عليه. فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً في البيان أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ.
و علاوة على الكتابة و التسجيل بالنصّ: وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ تعتمدونهم في مهامّ أموركم.
ثمّ بيّن- سبحانه- علّة جعل المرأتين بمنزلة رجل واحد، و قال: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى، أي حذر أن تضلّ إحداهما أي تخطئ، لعدم ضبطها و قلّة عنايتها، فتذكّر إحداهما الأخرى، تنبّهها على ما غفلت عنه، فتكون شهادتها متمّمة لشهادة تلك. أي أنّ كلّا منهما